في السنوات الأخيرة، أصبحت صناعة الألعاب تمر بمرحلة غريبة من التناقض. فبينما الشركات الكبرى -التي تنتج ألعاب الـ (AAA)- تمتلك الميزانيات الضخمة، والاستوديوهات العملاقة، وأحدث التقنيات، نجد أن الإبداع الحقيقي والروح الأصيلة بدأت تتلاشى من منتجاتها. في المقابل، تظهر الألعاب المستقلة أو ما يُعرف بـIndie Games لتعيد التوازن إلى الصناعة وتذكرنا لماذا أحببنا الألعاب في الأساس.
حين فقدت الشركات الكبرى الشغف

منذ عقد مضى، كانت ألعاب الـAAA مرادفاً للجودة والإبهار. لكن مع مرور الوقت، انحرفت بوصلة كثير من الشركات عن الإبداع نحو الربحية المفرطة. صارت الإصدارات المتكررة، والسياسات الاستغلالية مثل المايكروترانزاكشن (microtransactions)، و”حلب” العناوين الشهيرة هي السمة السائدة.
ألعاب مثل Call of Duty وAssassin’s Creed وFIFA أصبحت تُصدر سنوياً بتغييرات طفيفة لا ترقى لاسمها، بينما تتزايد الأسعار ويتناقص الشغف. المستثمرون يضغطون، المواعيد تُختصر، والأفكار تُقاس بلغة الأرقام لا الإبداع. حتى المشاريع الطموحة التي تُعلن عنها الشركات الكبرى، كثير منها ينهار قبل الإطلاق أو يصدر في حالة تقنية كارثية، كما رأينا مع Cyberpunk 2077 عند إطلاقها الأول، أو Battlefield 2042. النتيجة؟ ألعاب ضخمة بلا روح.
لماذا تنهار جودة ألعاب الـAAA

يرجع السبب الحقيقي لإنهيار جودة ألعاب الـAAA إلي خوف المستثمرون من الخسارة المالية. الشركات الكبيرة بطبيعة الحال لديها نفقات كثيرة، وانتاج ألعاب الـAAA أصبح يكلف بشدة، وفي هذه المقالة (نبذة عن كيف أصبحت تتكلف صناعة ألعاب وخصوصاً ألعاب الـAAA).
فبالتالي تخشى الشركات ومن ورائها المستثمرون من أن يضيع كل أستثماراتهم في الهواء. فبالتالي أصبحوا يتخذون نهجاً أكثر حرصاً، ويتمثل هذا النهج في فكرة بسيطة، اذا نجح شيء كرره ولا تخلق شيئاً جديداً فقد لا يعجب الناس. وكالمثل المصري (أمشي بجانب الحائط) تفعل الشركات هذا وتحلب العنواين الناجحة دون اخذ المخاطرة في خلق عنواين جديدة أو ابتكار اساليب لعب جديدة.
التكرار أو الحلب يولد نمط من الرتابة لأن التغير هو من يولد شرار التجديد. ناهيك عن حشر أجندات سياسية واجتماعية في داخل صناعة الالعاب. فأصبح بدل ان نستخدم الالعاب للهروب من الواقع نجده أمامنا.
الألعاب المستقلة… حين يقود الإبداع لا المال

على النقيض، تأتي الألعاب المستقلة كنسمة حرية في وسط هذا الركود. فرق صغيرة -أحياناً شخص أو اثنان فقط-يعملون بدافع الشغف، لا الخوف من المساهمين. هم لا يملكون ميزانيات ضخمة، لكنهم يملكون شيئاً أهم وهو الحرية الفنية.
شاهدنا كيف قدمت ألعاب مثل Celeste وUndertale تجارب صادقة ومليئة بالمشاعر، بأساليب لعب مبتكرة لم تجرؤ الشركات الكبرى على تجربتها. أو كيف استطاعت ألعاب مثل Hades وDead Cells و Hollow Knight وSlay the Spire أن تعيد تعريف مفاهيم مثل الإدمان الإيجابي والتحدي المتوازن دون الحاجة لأي ميزانية تسويقية ضخمة.
اللاعبون وجدوا في الألعاب المستقلة العالم الذي فقدوه، ألعاب تركّز على التجربة وليس الربح، على الفن وليس السوق.
حرية الفكرة… لا سقف للإبداع

الألعاب المستقلة ليست مقيدة بقواعد السوق أو معادلات النجاح المضمونة. المطور المستقل يمكنه أن يصنع لعبة تدور حول الاكتئاب (Gris)، أو عن الصداقة وسط الصمت (Journey)، أو حتى عن الموت والحياة (Spiritfarer) دون خوف من خسائر مالية.
إنها مساحة يختبر فيها المطور ذاته ويُعبر عن رؤيته، لا عن توجهات السوق. ولأن الأفكار تخرج من القلوب، تصل مباشرة لقلوب اللاعبين. لهذا أصبحت الألعاب المستقلة أكثر تأثيراً عاطفياً من كثير من الإنتاجات الضخمة.
بين الإبداع والآلة التجارية

الفرق الجوهري أن الألعاب المستقلة لا تعامل اللاعب كـ”عميل”، بل كإنسان. بينما تتعامل كثير من الشركات الكبرى مع اللاعبين كأرقام في جدول مبيعات، يسعى المطور المستقل إلى أن يجعل كل لحظة في لعبته ذات معنى.
قد تكون اللعبة قصيرة، أو بسيطة بصرياً، لكنها تحمل فكرة صادقة، وهذا كافٍ لأن يخلدها الناس.
صناعة الألعاب اليوم تحتاج إلى نفس جديد يعيد إليها إنسانيتها خصوصاً مع تصاعد خطر أستحواذ الـAI على عملية التطوير، هذه الروح تقدمه الألعاب المستقلة بلا تكلف. ففي زمن تُقاس فيه الألعاب بعدد الـDLC وحجم الخرائط، تأتي لعبة صغيرة من مطور وحيد لتُعيد تعريف معنى الجمال والابتكار.
ربما تكون ألعاب الـAAA هي الجسد العملاق للصناعة، لكن ألعاب الـIndie هي القلب النابض الذي يذكّرنا أن الألعاب لم تكن يومًا تجارة فقط، بل فن وشغف ورسالة.