هل لاحظت أن ألعاب هذه الأيام أصبحت تتشابه بشكل غريب؟ إذا شعرت أن روح الألعاب بدأت تتلاشى خلف ستار من العتمة، فأنت لست واهماً. السبب ببساطة هو الظل، لقد أصبح المطورون اليوم مهووسين بجعل ألعابهم واقعية لدرجة أنهم أغرقوها في ظلام دامس، وضاعت معها التفاصيل والبهجة التي كانت تميز ألعاب الماضي، وأصبحنا نشعر وكأننا نرتدي نظارات شمسية في منتصف الليل.
عصر المتعة البصرية

لو عدنا بالذاكرة إلى اللعبة المشهورة PES 6، سنجد أن اللعب في النهار أو الليل لم يكن يشكل فرقاً كبيراً في الوضوح. أشكال اللاعبين كانت تظهر بإضاءة كاملة، وجوههم واضحة، ولا توجد ظلال مبالغ فيها تخفي ملامحهم. المطور في ذلك الوقت لم يهتم بمحاكاة فيزياء الضوء المعقدة، بل صب اهتمامه على أن يرى اللاعب كل ركلة وكل حركة بوضوح تام، مما خلق تجربة بصرية مريحة لا تشتت الذهن بتفاصيل تقنية لا تخدم اللعب.
نفس الفلسفة نجدها في Metal Gear Solid 2، فرغم أن اللعبة تدور في ليلة ممطرة فوق سفينة، إلا أن “سنيك” والبيئة المحيطة به يظهرون بوضوح تام. المخرج اختار هنا “اللا واقعية” ليمنحك رؤية فنية واضحة، فالمصابيح في السفينة كانت مجرد ديكور بصري، بينما الإضاءة الحقيقية هي قرار فني يضمن لك الاستمتاع بكل تفصيل من السارية وحتى سطح السفينة، وهو ما يثبت أن الوضوح كان دائماً هو الأولوية قبل الانبهار التقني بالظلام.
عصر الظلام والقتامة

أتذكر عندما كنت ألعب Halo 2 نسخة الريماستر MCC الصادرة في في 2014 وفي احدى مهمات اللعبة الرئيسية دخلت بكهف، وبسبب الواقعية فالكهف كان مظلماً واصبحت لا أرى شيء، لحسن الحظ وفرت تلك النسخة زرار تبديل بين النسخة الريماستر والنسخة الاصلية، وبضغطة زر عدت إلي النسخة الاصلية 2004 واصبح الكهف مضيء وارى كل شيء وتمكنت من الخروج منه أخيراً.
وهنا تسائلت هل لعب المطورين هذه المهمة قبل اصدار نسخة الريماستر؟ ام فقط ضع الظلال في كل مكان حتى تصبح اللعبة واقعية؟. حتى الأبطال الخارقين لم يسلموا، Spider-Man على البلاي ستيشن 1 كانت تجربة ممتعة بألوانها المشبعة المشتقة من الكوميكس، بعيداً عن تعقيدات الظلال التي نراها اليوم.
وفيما يلي أربع أسباب جعلت الألعاب متشابهة ومظلمة:
1. هوس الـ Ray Tracing (تتبع الأشعة)

المطورون الآن يمتلكون تقنيات متطورة مثل تتبع الأشعة التي تحاكي سلوك الضوء والظل في الحقيقة بنسبة 100%. المشكلة تكمن في أن الواقع ليس دائماً مبهراً أو جميلاً بصرياً في سياق الألعاب. فمن أجل إثبات قوة هذه التقنية، يميل المطورون لاستخدام التباين العالي والظلال العميقة، مما يؤدي إلى طمس الكثير من ملامح الشخصيات وتفاصيل البيئة التي بذل الفنانون جهداً في رسمها، لتختفي في النهاية تحت ستار من السواد التقني.
هذا الهوس جعل الألعاب تفقد هويتها الفنية (Art Style) لصالح محاكاة فيزيائية جافة. بدلاً من أن تكون اللعبة لوحة فنية تعبر عن عالم خيالي، أصبحت مختبراً لتجربة انعكاسات الضوء. هذا التحول جعل المشاهد السينمائية في الألعاب تبدو متشابهة، حيث يطغى اللون الأسود والرمادي على كل شيء، مما يفقد اللاعب الشعور بالانفراد والتميز الذي كانت تقدمه الألعاب ذات الإضاءة المصنوعة يدوياً Stylized Lighting.
2. محركات الألعاب الموحدة (Unreal Engine 5)

أغلب شركات الألعاب اليوم تعتمد على محركات جاهزة وقوية جداً، وعلى رأسها Unreal Engine 5، الذي يقدم أنظمة إضاءة افتراضية مبهرة مثل نظام (Lumen). ومع أن هذه الأنظمة توفر وقتاً هائلاً، إلا أنها خلقت نوعاً من الكسل الفني، حيث يكتفي المطورون بالإعدادات الافتراضية للمحرك التي تميل بطبعها للواقعية الخام والظلال الكثيفة، مما يجعل الألعاب تخرج من فرن تقني واحد بنفس البصمة البصرية.
هذا التوحيد أدى لغياب التنوع، فبتنا نرى لعبة قتال مثل Tekken 8 تتشابه في نظام إضاءتها مع لعبة مغامرات خطية أو حتى لعبة رعب. حينما تتوحد الأدوات التقنية دون تدخل فني جريء لتغيير مسارها، تذوب الفوارق بين التصنيفات المختلفة، ويصبح المشهد البصري مملاً ومكرراً، لأن ذكاء المحرك في توزيع الظلال صار يطغى على رؤية المخرج في إبراز الألوان والجماليات.
3. الواقعية كأداة للهروب من التفاصيل

في كثير من الأحيان، يكون استخدام الظلال الكثيفة والظلام الدامس مجرد خدعة تقنية ذكية. فإخفاء أجزاء كبيرة من البيئة تحت الظل يقلل من العبء المعالج على الأجهزة، ويسمح للمطور بتجنب رسم تفاصيل دقيقة في المناطق المظلمة. هذا التوجه يخدم الأداء التقني (Performance) لكنه يضر بالمتعة البصرية، حيث يشعر اللاعب أنه محاصر في مساحات ضيقة من الرؤية بينما يحيط به السواد من كل جانب.
علاوة على ذلك، يُستخدم الظلام أحياناً كغطاء لفقر التصميم أو لتوحيد مظهر البيئات المختلفة تحت لون واحد داكن. في ألعاب مثل Resident Evil 4 Remake، رغم روعة التقنية، إلا أن الظلام الدامس أخفى تفاصيل معمارية مذهلة في قلعة سلازار وغرفة الرقص. ما كان يمكن أن يكون رحلة بصرية غنية بالتفاصيل والألوان في النسخة الأصلية، أصبح في النسخة الحديثة صراعاً مع الظلال لرؤية ما هو أمامك فقط، مما أضاع جهداً فنياً كبيراً.
4. غياب الهوية الفنية والتوجه السينمائي الكئيب

هناك خوف واضح في الصناعة الحالية من التجربة بالألوان الزاهية، والكل يركض خلف الـ Cinematic Look الذي يربط الواقعية بالقتامة. هذا التوجه جعل المطورين يبرمجون عقولهم على قاعدة واحدة، (رسوم واقعية تعني إضاءة واقعية مملة). حتى الألعاب التي لا تحتاج للظلام لخدمة قصتها، مثل ألعاب البلاتفورم أو القتال، بدأت تتبنى هذا الأسلوب الكئيب، مما جعلها تفقد روح اللعب وتتحول لمنتجات تبدو وكأنها أفلام درامية باهتة.
انظر مثلاً إلى Zelda: Wind Waker، نسخة 2002 كانت تنبض بالبهجة والصفاء بفضل إضاءتها البسيطة، لكن ريماستر 2013 حاول تقليد واقعية جيله بزيادة سطوع الشمس والظلال الحقيقية، فكانت النتيجة بحراً باهتاً وسماءً أقل حيوية. هذا التغلغل للواقعية في كل جانب جعلنا نفقد التنوع، فبدلاً من أن نرى عوالماً خيالية ملونة مثل Spider-Man على البلاي ستيشن 1، أصبحنا نرى عوالماً تحاكي الواقع لدرجة تجعلها عديمة الروح ومنفرة للعين على المدى الطويل.
كلمة أخيرة

الواقعية ليست سيئة في حد ذاتها، لكن عندما تصبح هدفاً يطغى على الهوية الفنية، نتحول من لاعبين يستمتعون بلوحات فنية نابضة بالحياة إلى مشاهدين لصور معتمة تتطلب مجهوداً بصرياً لرؤية ما يحدث. الألعاب القديمة كانت مريحة لأنها ضربت بقوانين الفيزياء عرض الحائط لتقدم متعة بصرية خالصة. ربما حان الوقت ليتوقف المطورون عن ملاحقة الظل ويعيدوا لنا النور والألوان التي جعلتنا نعشق الألعاب في المقام الأول.
هل تلاحظ أن ألعاب نينتندو لا تزال تحافظ على جمالها؟ السبب إنهم لا يهتموا بالواقعية المفرطة، ويضعوا تركيزهم على التصميم الفني والألوان الواضحة، وهذا سبب جعل ألعابهم خالدة بصرياً.