في خطوة كانت تهدف إلى الحفاظ على التفوق التكنولوجي، فرضت الولايات المتحدة قيودًا صارمة على وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة وتقنيات تصنيعها. ورغم نجاح هذه السياسة جزئيًا، إلا أن تداعياتها بدأت تظهر بوضوح، حيث تواجه مراكز الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة أزمة حقيقية أدت إلى إلغاء نحو نصف مشاريع البناء.
ويشير تقرير حديث من بلومبرج إلى أن السبب الرئيسي لا يتعلق بالرقائق كما كان يُعتقد سابقًا، بل بنقص حاد في المكونات الكهربائية الأساسية التي تعتمد عليها مراكز البيانات، والتي تُنتج الصين نسبة كبيرة منها عالميًا. ومع ارتفاع الطلب بشكل غير مسبوق، أصبحت سلاسل التوريد غير قادرة على مواكبة هذا النمو.
مراكز الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تواجه تحديات التوريد والطاقة
تشهد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ارتفاعًا هائلًا، حيث تخطط شركات كبرى مثل Meta لبناء مفاعلات طاقة نووية لتشغيل مراكز بيانات تتجاوز قدرتها 6 جيجاواط. ورغم هذه الطموحات الكبيرة، فإن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين الخطط والتنفيذ.
بحسب بيانات حديثة، تستهدف الولايات المتحدة استهلاك نحو 12 جيجاواط من الطاقة في مراكز الذكاء الاصطناعي، لكنها لم تصل حتى الآن سوى إلى حوالي 4 جيجاواط فقط، أي ما يقارب 33% من الهدف.
المشكلة الأكبر تكمن في المعدات الكهربائية مثل المحولات والبطاريات، والتي رغم أنها تمثل نحو 10% فقط من تكلفة المركز، إلا أنها عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه لتشغيل هذه المنشآت.
الأزمة تتفاقم بسبب رغبة الولايات المتحدة في تقليل اعتمادها على الصين، في الوقت الذي لا ترغب فيه الصين أيضًا في الاعتماد على السوق الأمريكي. هذا التوتر المتبادل يزيد من تعقيد سلاسل التوريد ويجعل تأمين هذه المكونات أكثر صعوبة.
كما أن السياسات الاقتصادية، مثل الرسوم الجمركية التي تم فرضها في فترات سابقة، ساهمت في رفع التكاليف، لكنها لم تنجح في تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية بالشكل الكافي لتلبية الطلب المتزايد.
وتكشف الأرقام عن حجم المشكلة، حيث ارتفعت واردات المحولات الكهربائية من نحو 1500 وحدة في عام 2022 إلى أكثر من 8000 وحدة في 2025، بينما تمثل الصين أكثر من 40% من واردات البطاريات.
ورغم ذلك، لا تزال فترات الانتظار للحصول على المحولات تصل إلى خمس سنوات في 2026، مقارنة بـ 2 إلى 3 سنوات فقط في 2020، وهو ما يعرقل بشكل كبير خطط التوسع.
في ظل هذه الظروف، أصبح من الصعب الالتزام بالجداول الزمنية المحددة لبناء مراكز البيانات، والتي عادة ما تكون في حدود ثلاث سنوات، مما يؤدي إلى تأجيل أو حتى إلغاء العديد من المشاريع.
يبدو أن أزمة مراكز الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة لن تُحل قريبًا، خاصة مع استمرار التوترات بين واشنطن وبكين، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على مستقبل سباق الذكاء الاصطناعي عالميًا.