يُعد العثور على حيوانٍ ضائع لصاحبه المهموم واحدًا من أبسط قواعد تصميم المهام في ألعاب الـRPG الفانتازية، لذلك ليس من المستغرب أن تتضمن مقدمة لعبة The Blood of Dawnwalker حيوانًا آخر تائهًا من حظيرة المزرعة. يُكلَّف البطل “كوين” بالعثور على خنزيرة ثمينة، فيبدأ البحث عنها في كل مكان (بل ويقوم بضرب رجل منبوذ خلال رحلته) محاولًا إعادتها إلى مالكها… الذي، فور لمّ شمله بحبيبته المغطاة بالطين، يسأل كوين مباشرة عمّا إذا كان يرغب في ذبح الحيوان بنفسه!. هذه اللمسة القاتمة ربما تكون أول إشارة واضحة إلى أن The Blood of Dawnwalker هي بالفعل لعبة من صنع المخرج السابق للعبة The Witcher 3: Wild Hunt، ومن تطوير استوديو يضم العديد من المواهب السابقة في CD Projekt. حتى أصغر المهام هنا تحمل عواقب دموية وقاسية.
الكشف عن أفتتاحية اللعبة

استعرض استوديو المطور Rebel Wolves (استديو بولندي من العاصمةWarsaw) مقدمة لعبة The Blood of Dawnwalker، وهي فقرة تمتد لـ80 دقيقة تبدأ من المشهد السينمائي الافتتاحي وحتى الحدث المحوري الذي يشعل القصة الحقيقية لهذه اللعبة الـRPG. وبصراحة، فإن هذا العرض التمهيدي كان أقل إثارة مقارنة بما شاهدناه سابقًا؛ ففي معرض Gamescom 2025 العام الماضي، تمكنا من مشاهدة مهمة من منتصف اللعبة تُلعب خلال النهار والليل لإظهار قدرات كوين البشرية ومهاراته كمصاص دماء، كما تحدث المدير الإبداعي Mateusz Tomaszkiewicz حول أنظمة الوقت والجوع المعقدة التي تُشكّل الأساس لهذه القصة المليئة بامتصاص الدماء.
لكن القليل فقط من تلك الأفكار يظهر داخل المقدمة، إذ تبدأ اللعبة بشكل متعمد بصورة بسيطة لتقديم الشروحات التعليمية وتمهيد القصة. رغم أنها سرعان ما تقفز إلى سلسلة من الأحداث الدرامية التي لن أقوم بحرقها في هذه المفالة. ومع ذلك، فبينما تفتقر هذه البداية إلى العناصر التي تجعل The Blood of Dawnwalker تبدو طموحة ومثيرة للاهتمام بشكل خاص، فإنها تُظهر كيف حاول استوديو Rebel Wolves بناء طبقات من التعقيد داخل ما يبدو ظاهريًا كأنه “يوم عادي في حياة فلاح بسيط”، وهو النوع المعتاد من البدايات الذي تعتمد عليه العديد من ألعاب الـRPG ذات طابع العصور الوسطي. حسنًا… يوم عادي بقدر ما يمكن أن يكون عليه يوم رجل على وشك التحول إلى مصاص دماء خارق القوى. لكن دعونا لا نسبق الأحداث.
كيفية عمل نظام السرد باللعبة

يبدأ اليوم الأول من الحياة الملعونة التي ستصبح قدر “كوين” بطلب من والده: العثور على أعشاب طبية لوالدته، التي أصبحت مريضة إلى درجة أنها ترفض تناول الطعام وبالكاد تحتفظ بوعيها. لكن اللاعب يقوم بتجاهل تلك المهمة تماماً في هذا العرض، ففي حين أن هذه المهمة كانت ستكون على الأرجح المهمة الإجبارية الوحيدة في مقدمة أي لعبة RPG تقليدية، فإن تصميم “نظام السرد المفتوح” أو الـNarrative Sandbox في The Blood of Dawnwalker يعني أنه لا توجد مهمة رئيسية واضحة يجب اتباعها. بدلًا من ذلك، يتم منحك مهلة حتى غروب الشمس، حيث يتوجب عليك حضور قدّاس الكنيسة المريب المعروف باسم “Blood Mass”. وخلال الفترة بين الآن وحتى ذلك الموعد، يمكنك تنفيذ أي مهام ترغب بها، مع العلم أن كل مهمة تستهلك جزءاً من شريط الوقت المكوّن من ثمانية أجزاء. وعندما ينفد الوقت، يبدأ قدّاس الدم تلقائياً، سواء جمعت الأعشاب الطبية أم لا.
وبهذا الشكل، تصبح مقدمة اللعبة نسخة مصغّرة من الرحلة الكاملة للعبة The Blood of Dawnwalker، حيث تمتلك 30 يومًا و30 ليلة لإنقاذ عائلتك من مصاصي الدماء، بينما تكون القصص والمهام التي ستختار خوضها خلال تلك المدة أمرًا متروكًا لك بالكامل.
وبدلًا من البحث عن الأعشاب، قام اللاعب المطور الذي كان يقود العرض نرى كوين وهو يستكشف قريته بحثاً عن فرص ومهام أخرى. فقد ضرب الطاعون المنطقة، وأصبحت القرية تعاني من الإهمال، ما جعل موطن كوين يبدو مغمورًا بنفس الألوان الكئيبة التي عُرفت بها منطقة “Velen” البائسة في The Witcher 3: Wild Hunt. السكان الذين ما زالوا على قيد الحياة جميعهم بحاجة إلى المساعدة – لكنه تجاهل امرأة متسولة تُدعى “Gremla” لصالح التحدث مع المزارع والموافقة على العثور على خنزيرته التي ذُكرت سابقًا. وقبل أن يغادر، قام بالمرور على مستنقعات الخث المحلية للبحث عن شقيق أحد الأشخاص المفقود.
وبحلول نهاية اليوم، يتم العثور على الخنزيرة والأخ المفقود وإعادتهما إلى المنزل (رغم إنه يٌجازف بإرسال الأخ وحده عبر طريق تتجول فيه الذئاب، وهو مثال آخر على الطريقة التي تنسج بها The Blood of Dawnwalker قرارات صعبة وعواقب مؤلمة داخل هذه المهام المألوفة). أما بالنسبة لمتسولة “Gremla” أو والدة كوين، فالأمور ليست وردية على الإطلاق – ولن أذكر التفاصيل هنا، لكن تجاهل تلك المهام يؤدي إلى عواقب خطيرة ونهايات درامية.
وهكذا، فإن الوعد الذي تقدمه هذه المقدمة هو أن كل فعل يتم اتخاذه خلال رحلة The Blood of Dawnwalker التي تتراوح مدتها بين 50 و70 ساعة – وحتى عدم اتخاذ أي فعل – ستكون له عواقب حقيقية.
انا معجب جدا بالذي رأيته هذا

بالنسبة لبعض اللاعبين، فإن هذا الأمر سيكون مرهقًا نفسيًا بشكل كبير. فتصميم The Blood of Dawnwalker يعني ببساطة أنك لن تمتلك الوقت الكافي لمساعدة الجميع وتحقيق نهايات إيجابية في كل خيوط القصة، خصوصًا عندما يكون لعدم التدخل تأثير لا يقل أهمية عن التورط بنفسك في الأحداث. لكن بالنسبة لي – وأتوقع لكثير من اللاعبين الباحثين عن لعبة RPG أكثر تعقيدًا – فأنا معجب جدًا بنوعية التجربة التي يعد بها هذا التصميم؛ إذ يبدو كأنه تطوير عميق لنظام التقويم وإدارة الوقت الموجود في Persona 5، مع مجموعة مترابطة من الأنظمة التي تصنع عالمًا يائسًا ومتفاعلًا يحتاج إلى التغيير، وربما تكون أنت الوحيد القادر على تحقيقه.
ومن الجيد رؤية منهج استوديو Rebel Wolves حاضرًا بهذه القوة منذ الساعة الأولى من اللعبة. بل ليس جيدًا فحسب، وإنما ضروري أيضًا؛ لأنه لولا العواقب الدرامية الناتجة عن اختياراتك، لكان قرار الاستوديو ببدء رحلة كوين بطريقة تقليدية للغاية قد بدا مكرراً ومستهلكًا بصورة كبيرة. أستطيع أن أرى ما يحاول الاستوديو فعله هنا، فهو يتحدى تقاليد ألعاب الـRPG عبر أخذ مهام التدريب الكلاسيكية والمبتذلة ومنحها لمسة تحمل بصمة واضحة من مدرسة CD Projekt. ومع ذلك، وحتى مع هذا التفاعل الواضح مع قرارات اللاعب، فإن العثور على خنزيرة أو إنقاذ رجل من كهف لا يُعتبر بالضبط أكثر الأنشطة إثارة لتبدأ بها اللعبة.
ولحسن الحظ، حتى إن لم تتمكن التحولات الدرامية الناتجة عن تلك القصص البسيطة من جذب خيالك، فإن السرد الأوسع خلال هذه الساعة الافتتاحية يبدو أكثر تشويقاً بكثير. فمع حلول غروب الشمس، يجد كوين نفسه داخل طقس كنسي يحتفي بمزيج مشابه من الرموز الكاثوليكية وأساطير مصاصي الدماء، على غرار ما قدمه Mike Flanagan في تحفته الخاصة على Netflix، مسلسل Midnight Mass. ومن هذه اللحظة فصاعداً، أتوقع – أو على الأقل آمل – أن تصبح أهداف المهام المختلفة أكثر إثارة للاهتمام بكثير.
بحلول المشهد الأخير من المقدمة، يكون “كوين” قد تحول بالفعل إلى مصاص دماء، ويحصل على مجموعة من القدرات المعتمدة على الدم. ومع أن معظم الحديث الدائر حول The Blood of Dawnwalker يركز على السرد القصصي وأنظمة الوقت، ورغم أنني أعتقد فعلًا أن هذا هو العنصر الذي يشكل الجزء الأكبر من جاذبية اللعبة، فإن جانبها القتالي والحركي يبدو واعداً أيضاً.
مزيج من The Witcher 3 و Dishonored

كل ما تم استعراضه في النسخة التجريبية سبق وأن رأيناه من قبل بشكل أو بآخر، لكن أسلوب اللعب أكد مجددًا أن “كوين” يبدو وكأنه مزيج بين “جيرالت” من The Witcher 3: Wild Hunt و“كورفو” من Dishonored – وهو أمر يظهر بوضوح في قدرة “Shadow Step” التي تسمح لك بالانتقال الآني لمسافات قصيرة، ما يفتح طرقًا غير تقليدية للتنقل عبر البيئة. وتأتي قدرة “Planeshift” لتكمل ذلك، إذ تتيح لك المشي على الجدران والسير فوق الأسقف. أما “Clawride”، وهي القدرة التي تجعلك تنزلق عموديًا على الأسطح الحادة وكأنك تتزلج عليها، فتبدو أقرب إلى مجرد لحظة سينمائية استعراضية رائعة، لكن وجودها ربما يشير إلى تصميمات رأسية مثيرة للاهتمام في مراحل لاحقة من الحملة.
أما القتال، فيبدو وكأنه مزيج آخر من The Witcher 3: Wild Hunt مع لعبة مختلفة هذه المرة – وتحديدًا نظام المبارزة المعتمد على الاتجاهات الموجود في Kingdom Come: Deliverance أو For Honor، حيث يتوجب عليك تعديل زاوية السيف يدويًا من أجل الصد والهجوم وتنفيذ الضربات المضادة. وبالنسبة لمن يجد هذا الأسلوب معقدًا أو مرهقًا بعض الشيء، يمكن تفعيل قدرة الصد الآلي لجميع الاتجاهات لتبسيط الأمور، لكن على حساب استهلاك كمية أكبر من التحمل. وفي المقابل، تبدو القدرات النشطة – مثل رمي التراب في أعين الخصوم لإرباكهم – أقرب إلى أنظمة القتال السلسة والمألوفة التي نراها في ألعاب مثل Assassin’s Creed Shadows وGhost of Yōtei.
وبعد مشاهدة أحد مطوري Rebel Wolves وهو يقاتل زعيماً مبكراً وعدداً من المبارزين العاديين، أعترف بأن القتال هو العنصر الذي ما زلت غير واثق منه بالكامل، رغم المحاولات الواضحة لتقديم شيء يتجاوز مجرد إعادة لما حققه العديد من أعضاء الفريق سابقاً في The Witcher 3: Wild Hunt. ومع ذلك، فأنا غالبًا ما أجد أن هذا النوع من أنظمة القتال يبدو جامدًا وبطيئًا عند المشاهدة، لكنه يصبح ممتعاً وعميقاً للغاية عند اللعب الفعلي، لذلك سأعتبر فتور حماسي الحالي تجاهه أمرًا مؤقتًا إلى أن تتاح لي فرصة تجربة سيوف ومخالب كوين بنفسي.
بعد مشاهدة طموح Rebel Wolves بالكامل خلال معرض Gamescom 2025 العام الماضي، أصبحت متحمسًا جدًا للعبة The Blood of Dawnwalker. ولست متأكدًا أنني كنت سأشعر بالحماس نفسه لو كانت هذه المقدمة هي أول تعارف لي مع عالم اللعبة – فحتى مع التحولات الذكية التي تقدمها، تظل مهام الـRPG التقليدية الافتتاحية أقل ما رأيته إثارة في اللعبة حتى الآن. لكن رغم اقترابها أحيانًا من الرتابة المعتادة، فإن هذا العرض لم يفعل شيئًا لزعزعة ثقتي بالمشروع.
يبدو أن Rebel Wolves نجح في تقديم أفتتاحية تؤسس بفعالية لعالم مظلم من العصور الوسطى، وتضع الأسس الأولى لرحلة كوين المزدوجة والمثيرة، حيث يجب عليك إتقان جانب الإنسان وجانب مصاص الدماء معًا. لكن ما يجعل The Blood of Dawnwalker واحدة من الألعاب القليلة التي أنتظرها بفارغ الصبر هذا العام، هو معرفتي بما يأتي بعد هذه البداية – عمق نظام الـ“Narrative Sandbox” المرتبط بتعاقب الليل والنهار، والكم الهائل من الفرص والتجارب المختلفة لكل من جانبي شخصية كوين، وهي أمور سبق أن شاهدتها في عروض سابقة.
قد لا تكون هذه الافتتاحية هي الناب الأكثر حدة في ابتسامة اللعبة القاتلة المحتملة، لكنها بالتأكيد لا تزال سنًا مدببًا بما يكفي.
