تبدأ حكاية CD Projekt في وقت لم تكن فيه بولندا سوى سوقٍ صغيرة ومهمشة في عالم الترفيه الرقمي، حيث نشأ مؤسساها في ظروف سياسية واقتصادية معقدة جعلت من الحصول على لعبة فيديو أصلية ضرباً من المستحيل. ومن رحم هذا الحرمان، وُلد طموح شابين لم يملكا سوى شغفهما وبسطة صغيرة لبيع الألعاب في شوارع وارسو، ليقررا تحويل تجارتهما البسيطة إلى شركة رسمية برأس مال لا يتجاوز ألفي دولار، متخذين من غرفة ضيقة في شقة صديق لبيع أسطوانات الألعاب منطلقاً لحلم سيغير وجه صناعة الألعاب عالمياً فيما بعد.
لم تكن رحلة شركة CD Projekt مجرد قصة نجاح تجاري تقليدية، بل كانت سلسلة من الرهانات القاتلة التي وضعتها مراراً على حافة الإفلاس والانهيار. فمن مواجهة قرصنة الألعاب في التسعينيات، إلى الصدام مع كبار الناشرين في أوروبا، وصولاً إلى بناء عالم The Witcher الأيقوني وسقوط Cyberpunk المدوي، أثبتت CD Projekt أنها شركة لا تعرف الاستسلام. هي قصة تمزج بين الإبداع الفني الفائق وبين الأخطاء البشرية القاسية، تروي كيف يمكن لاستوديو صغير من أوروبا الشرقية أن يتحدى عمالقة وادي السيليكون ويتربع على عرش أثمن شركات الألعاب في القارة العجوز.
1. من أرصفة وارسو إلى شقة الصديق

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت بولندا تعاني من اضطرابات سياسية ونقص في السلع، وكان الحصول على ألعاب الفيديو الغربية حلماً صعب المنال. هنا ظهر (مارسين إيفينسكي)، الذي كان يبيع النسخ المقرصنة من الألعاب في أسواق وارسو الشعبية خلال مرحلة الثانوية، وهناك التقى بشريكه المستقبلي (ميشال كيسينسكي) الذي كان يشاركه نفس الشغف والعمل.
مع سقوط الأتحاد السوفيتي وتحول بولندا إلى اقتصاد السوق في التسعينيات، قرر الثنائي إضفاء الشرعية على عملهما، فأرادوا أن يكونوا أول من يقوم بأستيراد أسطوانات الألعاب (CD) لبولندا. فأسسا شركة CD Projekt في الربع الثاني من عام 1994 برأس مال لم يتجاوز 2000 دولار لتكون بمثابة متجر بيع أسطوانات ألعاب. وبسبب ميزانيتهما المحدودة، اتخذا من شقة أحد الأصدقاء مكتباً لهما (بدون إيجار).
وبدآوا رحلتهم كأول مستوردين للألعاب على الأقراص المدمجة (CD-ROM) من الولايات المتحدة ومن هنا جائت تسمية الشركة CD Projekt.
2. الترجمة لزيادة مبيعات الألعاب

كانت القرصنة هي التحدي الأكبر في بولندا، ولإقناع الناس بشراء النسخ الأصلية، ابتكرا مارسين وميشال الشركة استراتيجية التعريب (Localization). بدأت الشركة بترجمة ألعاب بسيطة مثل Ace Ventura التي حققت نجاحاً مفاجئاً، مما شجعهما على خوض مغامرة كبرى بترجمة لعبة تقمص الأدوار الضخمة Baldur’s Gate، وهو مشروع ظن الكثيرون أنه مستحيل تقنياً ولغوياً. فقاموا بالتواصل مع شركة Interplay صاحبة العنوان ووافقت على عمل نسخة بولندية للعبة من خلالهم.
لم تكتفِ الشركة بالترجمة فقط، بل استأجرت ممثلين بولنديين مشهورين للأداء الصوتي وأضافت هدايا قيمة داخل علبة اللعبة. حققت التجربة نجاحاً مذهلاً ببيع 18 ألف نسخة في اليوم الأول، وهو رقم قياسي للشركة آنذاك، مما أثبت أن اللاعب البولندي مستعد للدفع مقابل الجودة والقيمة المضافة، ووضع الشركة على خارطة التوزيع العالمية.
3. مرحلة التوسع ومحاولة الدخول في صناعة الألعاب

فكرا مارسين وميشال في توسع والدخول في صناعة الألعاب نفسها وعدم الأكتفاء ببيع أسطوانات الألعاب او الدخول في شراكة للترجمة للغة البولندية. فكانت البداية في 2001 عندما تعاونت CD Projekt مع Interplay لعمل نسخة كمبيوتر من لعبة Baldur’s Gate: Dark Alliance والتي كانت صدرت على أجهزة الكونسول فقط. ووظفوا لهذا الغرض سيباستيان زيلينسكي وآدم بادوفسكي. لكن المشروع أُلغي بسبب مشاكل Interplay المالية.
خلال تلك الفترة، حققت الشركة نجاحاً كبيراً بتوزيع وتعريب لعبتي Gothic (2002) وGothic II (2003)، اللتان حققتا شعبية هائلة في بولندا وأصبحتا التأثير الأساسي والمباشر في تطوير سلسلة The Witcher لاحقاً.
قبل تدخل CD Projekt، كان فريق Metropolis Software البولندي (الذي اشتراه CD Projekt عام 2009 وأغلقته في 2010) قد حصل على ترخيص من Andrzej Sapkowski لاستخدام رواياته ضمن سلسلة The Witcher حوالي عام 1997. إلا أنه وبسبب انشغال الاستوديو بعدة مشاريع أخرى في ذلك الوقت، إضافة إلى مخاوف ناشرهم TopWare بشأن عدم شهرة الرواية خارج بولندا، لم يتجاوز المشروع المراحل الأولية للتطوير.
لاحقاً، تواصلت CD Projekt مع Andrzej Sapkowski للحصول على حقوق السلسلة. وتمكنوا من تأمين الحقوق مقابل حوالي 35,000 زلوتي بولندي (نحو 9,500 دولار أمريكي)، حيث فضل Sapkowski الحصول على المبلغ كاملاً مقدماً بدلاً من نظام العوائد، رغم أنه عُرض عليه ذلك. وفي مقابلة أُجريت عام 2017، صرح Sapkowski بأنه في ذلك الوقت لم يكن مهتماً بألعاب الفيديو، وكان ينظر إلى الصفقة فقط من منظور الفائدة المالية.
4. ولادة The Witcher من رحم الفشل

بعد إلغاء المشروع المشترك مع شركة Interplay، وجد الفريق نفسه يمتلك كنزاً مجاني وهو الكود البرمجي للعبة Baldur’s Gate: Dark Alliance وهو غير مستغل، فقرروا التحول للتطوير تحت اسم CD Projekt Red عام 2002، لم يكن لدى المؤسسين أي فكرة عن كيفية صنع الألعاب. فقام الفريق بصناعة نسخة تجريبية (Demo) بمنظور علوي (مثل Diablo)، ووصفها آدم بادوفسكي لاحقاً بأنها كانت قطعة من النفايات. سافر الشريكان بأغلى لابتوب متاح لعرض الديمو على الناشرين في أوروبا، لكنهم عادوا برسائل رفض مهذبة تقول: (هذا ليس جيداً بما يكفي، عودوا لمنازلكم).
أدى هذا الفشل لإغلاق مكتب الشركة في مدينة لودز ونقل الموظفين إلى وارسو، ورحل سيباستيان زيلينسكي عن المشروع. لكن الفريق لم يستسلم، وبدأ العمل من الصفر عام 2003، وقضوا عامين في تنظيم الإنتاج. حصلوا لاحقاً على مساعدة من BioWare التي سمحت لهم باستخدام محرك Aurora وعرض لعبتهم في جناحها الخاص بمعرض E3 عام 2004، مما منح المشروع دفعة عالمية.
توسع الفريق من 15 إلى 100 شخص، وبعد 5 سنوات من العمل الشاق وتكلفة بلغت 20 مليون زلوتي، خرجت للنور لعبة The Witcher عام 2007، والتي عرفت العالم بشخصية جيرالت وحققت نجاحاً نقدياً وتجارياً طيباً. وفي عام 2008 تم تأسيس خدمة توزيع ألعاب الفيديو GOG.com بواسطة CD Projekt لمساعدة اللاعبين على العثور على الألعاب القديمة. وتتمثل مهمتها في تقديم الألعاب بدون أنظمة إدارة الحقوق الرقمية (DRM)، وقد توسعت خدمتها في عام 2012 لتشمل ألعاب AAA الجديدة والألعاب المستقلة.
5. حافة الإفلاس والعودة بالرجل الذئب

للأسف لم يكن الطريق مفروش بالورود، فبعد إطلاق الجزء الأول من The Witcher بنجاح عام 2007، بدأ الفريق العمل على نسخة للكونسول تسمى White Wolf بالتعاون مع استوديو فرنسي. لكن المشروع دخل في نفق مظلم بسبب طلب الاستوديو الفرنسي المزيد من المال والوقت، مما أدى لإلغاء المشروع ودخول CD Projekt في نزاع قانوني ومالي حاد مع شركة Atari، تزامناً مع الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وضعت هذه الأزمة الشركة على حافة الإفلاس تماماً. وللبقاء على قيد الحياة، اضطر المؤسسون لاتخاذ قرارات صعبة لإنقاذ الشركة فقاموا بإلغاء مشروع لعبة تصويب FPS كانت تطورها Metropolis (تسمى They) وغلق الاستديو، وتركيز كل طاقتهم على تطوير محرك RED Engine ولعبة The Witcher 2: Assassins of Kings. صدرت اللعبة في 2011 وحققت نجاحاً نقدياً كبيراً ومبيعات تجاوزت 1.7 مليون نسخة، مما أنقذ الشركة من الانهيار.
كانت The Witcher 2: Assassins of Kings قفزة تقنية ومادية هائلة للشركة، ويهذا النجاح منحهم القوة المالية والرؤية لتطوير عالم مفتوح بالكامل في الجزء الثالث، وهو المشروع الذي سيغير تاريخ الشركة وتاريخ صناعة الألعاب لاحقاً.
6. المجد العالمي مع Wild Hunt

انتقلت الشركة لمستوى جديد تماماً مع The Witcher 3: Wild Hunt، حيث أرادوا تقديم عالم مفتوح يتجاوز كل الانتقادات السابقة ويدفع حدود الرسوميات إلى أقصى مدى. استغرق التطوير ثلاث سنوات ونصف وبلغت التكلفة أكثر من 81 مليون دولار، كما واجه الفريق تقارير عن العمل لساعات إضافية مكثفة (Crunch) لضمان موعد الإطلاق.
عند صدورها في مايو 2015، حققت اللعبة نجاحاً ساحقاً، حيث باعت 6 ملايين نسخة في أول 6 أسابيع وحققت أرباحاً هائلة مكنت الشركة من التوسع. أصبحت السلسلة ظاهرة عالمية بمبيعات تجاوزت 33 مليون نسخة بحلول عام 2017، وأطلقت الشركة بعدها لعبة البطاقات Gwent كعنوان فرعي، مما جعل CD Projekt تدرج في بورصة وارسو وتصبح أثمن شركة ألعاب في أوروبا متجاوزة Ubisoft.
وبحلول سبتمبر 2017، أصبحت الشركة أكبر شركة ألعاب فيديو مدرجة في البورصة في بولندا، بقيمة تقارب 2.3 مليار دولار أمريكي، وبحلول مايو 2020 وصلت قيمتها السوقية إلى 8.1 مليار دولار أمريكي، مما جعلها أكبر شركة ألعاب فيديو في أوروبا. وفي مارس 2018 انضمت الشركة إلى مؤشر WIG20، الذي يضم أكبر 20 شركة في بورصة وارسو. كما أن الشركة مدرجة أيضاً في بورصة فرانكفورت.
7. سقطة Cyberpunk 2077 وأزمة الثقة

بعد نجاح ويتشر، أصبحت Cyberpunk 2077 أكثر لعبة منتظرة في التاريخ، ومع صدور مسلسل ويتشر على نيتفليكس، وصلت قيمة الشركة السوقية لعنان السماء. ولكن التطوير واجه صعوبات بالغة وتأجيلات متكررة، ورغم وعود الإدارة بعدم إجبار الموظفين على العمل الإضافي، إلا أنهم كسروا الوعد وفرضوا نظام عمل شاق لستة أيام في الأسبوع لإنهاء اللعبة.
أطلقت اللعبة في ديسمبر 2020، وبينما كانت نسخة الحاسب مقبولة، كانت نسخ الكونسول كارثية ومليئة بالأخطاء التقنية لدرجة جعلتها غير قابلة للعب للبعض. اتُهمت الشركة بإخفاء حالة اللعبة الحقيقية، مما أدى لسحبها من متجر بلايستيشن واهتزاز ثقة الجمهور تماماً. اعترف مارسين إيفينسكي لاحقاً بأن استراتيجيتهم التسويقية دمرت ثقة اللاعبين، وبدأوا رحلة طويلة من التحديثات لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
8. إنقاذ Cyberpunk 2077 وعودة الثقة

بدأت رحلة الإنقاذ باعتذار علني نادر من المؤسس مارسين إيفينسكي، حيث تعهدت الشركة بوضع كافة مشاريعها المستقبلية جانباً والتركيز الكامل على إصلاح اللعبة وإعادة بناء الثقة مع اللاعبين. لم تكن العملية مجرد ترقيع بسيط للأخطاء، بل شملت إعادة هيكلة جذرية لنظام الذكاء الاصطناعي، وفيزيائيات القيادة، وتحسين الأداء التقني بشكل كامل خاصة على منصات الجيل الجديد (PS5 وXbox Series X) عبر التحديث الضخم رقم 1.5. كانت هذه المرحلة بمثابة غرفة طوارئ تقنية تهدف لمنع انهيار سمعة الاستوديو نهائياً، وقد نجحت الشركة في جعل اللعبة مستقرة وقابلة للعب أخيراً بعد شهور من العمل المتواصل.
جاءت نقطة التحول الكبرى والنهائية مع إطلاق مسلسل الأنمي Cyberpunk: Edgerunners الذي أعاد ملايين اللاعبين لعالم نايت سيتي، تلاه التحديث الثوري رقم 2.0 الذي أعاد ابتكار ميكانيكيات اللعب بالكامل من الصفر، بما في ذلك نظام الشرطة والمهارات القتالية. تُوجت هذه الملحمة بإصدار التوسعة الضخمة Phantom Liberty، التي قدمت قصة جاسوسية معقدة وأداءً مذهلاً من النجم إدريس إلبا، مما جعل اللعبة تحصل على تقييمات مرتفعة جداً وتفوز بجوائز “أفضل لعبة مستمرة”. بفضل هذا الإصرار، تحولت اللعبة من واحدة من أسوأ عمليات الإطلاق في التاريخ إلى واحدة من أفضل ألعاب الأكشن وتقمص الأدوار في العصر الحديث.
وبهذا تنتهي رحلتنا مع شركة CD Projekt، الشركة الطموحة التي لا تعرف الأستسلام.