مقالات

كيف استطاع أصحاب تطبيق “هوغ بول” سرقة 6 مليارات جنيه من المصريين؟

مَن منا لا يحلم بالكسب السريع؟ تجلس في بيتك مُعززًا مُكرمًا لا تفعل شيئًا تستحق أن تُؤجر عليه جنيهًا واحدًا فقط، ومع ذلك تتمكن من جني الكثير والكثير من المال، والأهم من ذلك أنه في وقتٍ قصير للغاية. قصة خيالية ليتها تكون حقيقية، ولكنها ليست كذلك للأسف الشديد، ولن تكون كذلك، وإذا وعدك أحدهم بأنه يستطيع أن يحققها لك، فاهرب، فورًا!

قد تقول “ولما لا أُجرب؟ على الأقل بمبلغٍ بسيط، فإن حدث وكان الأمر خدعة فلن أخسر كثيرًا، وإن لم يكن كذلك، فسأصبح أحد الأثرياء” هذا بالضبط ما فعله أكثر من 150 مواطنًا انتهى بهم الأمر بالنحيب واللجوء إلى القضاء بعدما خدعهم التطبيق الوهمي الذي سمعتهم بهم جميعًا هوغ بول “Hogg Pool” وسرق أموالهم عقب إيهامهم بالربح السريع.

الاعتماد على مخطط بونزي

سنشرح الآن المخطط الذي اعتمد عليه مطورو تطبيق هوغ بول بطريقة قد لا تكون الأدق، ولكنها ستجعل الجميع يفهم الفكرة.

في بدايات القرن العشرين، أراد شخص أن يحتال على الناس ويوهمهم بحلم الكسب السريع، فأسس شركة وبدأ يدعو عامة الشعب إلى فخه الذي نصبه للتو. ادّعى هذا الشخص أن من سيستثمر معه سيحصل على عائد بنسبة 50% بعد 45 يومًا فقط أو 100% بعد 90 يومًا! أي أنك إذا استثمرت بمئة دولار مثلًا، فستحصل على 150 دولارًا بعد 45 يومًا أو على 200 دولار بعد 90 يومًا وكل ما عليك فعله من مجهود هو تسليم هذا الرجل أموالك.

لم يصدق الكثيرون هذا المدعي، ولكن قلة ممن تنطلي عليهم أساليب الحيل والخداع أعطوه فرصة، وصدق أو لا تصدق، حصلت هذه القلة على العوائد التي وُعِدوا بها بالفعل، أو بصيغة أخرى، لقد وقعوا في الفخ! ولكن كيف؟

عندما حقق “الزبائن” العوائد، هرعوا إلى أقاربهم وكل من يعرفونهم وأروهم المكاسب التي حققوها. جلب سميث جون وجلب جون توماس والذي بدوره جلب كلًا من بيل ومايكل، وهلم جرا، وهذا ما كان ينتظره الإيطالي الأمريكي “تشارلز بونزي”، والذي سُمي “مخطط بونزي” تيمنًا باسمه.

في البداية، كان بونزي يُعطي المستثمرين القلائل العوائد التي وعدهم بها بطريقة أو بأخرى، وهذا ما خطط له في بادئ الأمر بالفعل؛ أن يخسر في البداية بعض الأموال مقابل نجاح مخططه الذي يعتمد على سداد عوائد المستثمرين من استثمارات الآخرين. ببساطة، كان بونزي يُعطي المستثمرين الأوائل عوائدهم من أموال المستثمرين المستقطبين حديثًا، والمستقطبين حديثًا من أموال المستثمرين الأحدث، وهكذا.

ولكن، إلى متى سيصمد بونزي ويعطي الجميع عوائدهم؟ لن يستطيع. وصل عدد المستثمرين معه إلى أكثر من 40 ألف شخص، وخرجت الأمور عن السيطرة، والجميع يطالبه بالعوائد، وهنا يبرز أمام المحتال 4 حلول؛ إما سداد العوائد أو على الأقل إعادة الأموال كما هي لأصحابها دون عوائد أو الهرب أو السجن.

“المستريَّحون”، وهوغ بول، ومخطط بونزي الذي لا يموت

انبثق لقب المستريح للمرة الأولى في مصر عام 2014 عندما احتال رجل الأعمال أحمد مصطفى على أهل قريته بالصعيد وجمع منهم أكثر من 53 مليون جنيه مصري ليتم القبض عليه في 2015. وكلمة “مستريح” بالمصري تعني ذلك الشخص الذي يحتال على الناس ويوهمهم بالكسب السريع بغض النظر عن الوسيلة.

 تبع أحمد مصطفى، أو أحمد المستريح كما اشتُهر بعد ذلك، “مستريحون” عدة أمثال مستريح السويس الذي جمع حوالي 40 مليون جنيه ومستريح الإسكندرية (أشرف أبو الفضل) وحكاية الـ 14 مليون جنيه ومن بعدهم مستريح القليوبية الذي جمع 9 ملايين جنيه، وأخيرًا مفضوحي قصة اليوم: مستريحون هوغ بول.

في أغسطس من العام الماضي، طُرح تطبيق يُسمّى “هوغ بول” على متجر “جوجل بلاي” وتم الترويج له وإغراء المتعطشين في مصر للكسب السريع للاستثمار به وتحقيق الأرباح العاجلة التي لا طالما حلموا بها في وقت قصير للغاية. وصلت “البجاحة والنطاعة” بأصحاب التطبيق إلى درجة إقناع المستثمرين أنهم سيكسبون 4 دولارات (أكثر من 120 جنيهًا وقت كتابة هذا المقال) يوميًا نظير استثمار قدره 1000 جنيه فقط.

بل والشيء العجيب في الأمر -والذي لا أصدق كيف انقاد له الضحايا- أن أصحاب التطبيق سهَّلوا المعاملات للمستثمرين لدرجة مستفزة؛ إذ إنهم سمحوا للمستخدمين الدفع بالجنيه المصري ومن ثمَّ يتم تحويله إلى الدولار الأمريكي الذي يساوي 20 جنيهًا مصريًا فقط بالنسبة لأصحاب التطبيق، وأخيرًا يتم تحويل الربح لك بسعر الدولار الأمريكي العادي.

وكما في مخطط بونزي، دفع أصحاب هذه العملية الاحتيالية الفجة عوائد المستخدمين الأوائل الذين انجرّوا إلى التطبيق بطريقة أو بأخرى، ومع ازدياد أعداد المستخدمين وكثرة الشكاوى، كان على أصحاب تطبيق “هوغ بول” اختيار حلًا من الأربعة حلول المطروحة بالأعلى، ولحسن الحظ أن وزارة الداخلية المصرية هي من اختارت لهم.

فبعد جمع ما يُقدر بحوالي 300 مليون دولار أمريكي، أي حوالي 6 مليارات جنيه مصري، اختفى تطبيق “هوغ بول” من الوجود وتبخر معه القائمون والمنظمون وأي شخص له علاقة بهذا التطبيق بعدما أوهموا المستخدمين البسطاء بأن التطبيق مرخص تجاريًا وله سجل ضريبي، بل ونشروا صورًا لمقراتهم الوهمية في الولايات المتحدة وشاركوا أرقامًا أمريكية لتعزيز ثقة المستخدمين بهم وبتطبيقهم.

ومع توالي الضحايا يومًا وراء الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت الداخلية المصرية بالتحقيق في الأمر إلى أن وصلوا للمحتالين وقبضوا عليهم.

كشف المستور

تبين أن المحتالين كانوا 29 شخصًا من ضمنهم 13 يحملون جنسيات أجنبية مختلفة، وكان مقر هؤلاء النصَّابين “فيلتن سكنيتين بالقاهرة”، وعندما باغتتهم الشرطة وجدوا بحوزتهم 95 هاتفًا محمولًا و3367 شريحة اتصال و9 أجهزة مودم للرسائل الجماعية و7 أجهزة حواسيب شخصية و39 شاشة كمبيوتر بملحقاتها و3 سيارات ومبالغ مالية أجنبية ومحلية بلغت حوالي 19.5 دولارًا أمريكيًا (600 ألف جنيه مصري) وأخيرًا 41 بطاقة ائتمانية لبنوك خارج الدولة.

وعندما استجوبت الداخلية هذا التشكيل العصابي المحتال، اعترفوا بكل شيء وأنهم استهدفوا البسطاء اللاهثين وراء الكسب السريع وأنهم جمعوا أموالًا من 88 محفظة إلكترونية وكانوا بصدد تحويل الأموال إلى الخارج، بل وأنهم كانوا على وشك تكرار نفس الخدعة مع تطبيق آخر يُسمَّى “RIOT” لكي يستكملوا الحيلة التي بيد أنها تنطلي على الكثيرين وتحقق لهم مليارات الجنيهات.

ماذا أفعل كي لا أقع فريسة لمثل هذه التطبيقات؟

أعرف جيدًا أننا جميعًا نمر بظروف اقتصادية عصيبة وأننا جميعًا نحتاج إلى الأموال في أسرع وقت ممكن، ولكن ليس هكذا تُكسب الأموال يا عزيزي، ولن يعطيك أحدهم مالًا إلا إذا أسديت له معروفًا على شكل مهارة أو خدمة. فقط آمن بالمثل الشعبي “الحداية مبتحدفش كتاكيت” واعلم أنك بحاجة إلى بذل جهد لكي تستحق الأموال، والمقدار على قدر الجهد.

هوغ بول

لا ننكر أن الاستثمار هو أحد أفضل الوسائل التي قد تتربح من ورائها، ولكنك بحاجة إلى دراسة المشروع الاستثماري جيدًا والنظر بشكل منطقي في نسبة العوائد مقابل المبلغ المادي الذي ستدفعه قبل أن تلج بابه. والمرة القادمة التي تجد فيها من يقنعك بالكسب السريع دون أدنى عناء وفي وقت لا يُذكر، لا تنسى أن تهرب!

Ahmed Safwat

أتساءل إلى أين ستصل بنا التقنية في المستقبل، وأنطلق من هذا التساؤل إلى محاولات بائسة، ولكن شغوفة، للبحث عن الجواب من خلال مشاركاتي عن الألعاب والتقنية.
زر الذهاب إلى الأعلى