مقالات

سلسلة مقالات تحف منسية( الجزء الثالث): Max Payne 2

ومن الحب ما قتل

منذ أيام تم الإعلان رسميًا عن عمل استوديوهات Remedy على ريميك (إعادة تصور) للعبتي Max Payne الأولى والثانية، وبما أن هناك الكثيرين ممن لم يجربوا هذين الإصدارين على الإطلاق، كان علي أن أتناول الأصدار الأفضل بينهما ضمن سلسلة “تحف منسية” حتى يعرف الجميع لماذا تعتبر هذه السلسلة، وجزءها الثاني بالتحديد واحدة من الألعاب المُعرفة لذلك النوع من الألعاب (التصويب من المنظور الثالث) فهيا بنا نبدأ!

الجزء الثاني أكمل ما بدأة الجزء الأول، بمستويات أفضل على جميع الأصعدة

هناك من يقول أن النجاح ليس بصعوبة الإبقاء عليه، وأن الأجزاء الثانية عادة ما تفشل إذا لم تكن في الخطة منذ البداية. لقد شهد عالم الفنون هذا الحديث مرات ومرات عند الإعلان على أي جزء ثاني من عمل ناجح، بداية من The Godfather أيقونة السينما، مرورًا بألعاب مثل GTA و Call Of Duty و غيرهم.

في حالة Max Payne على وجه الخصوص كان التحدي كبير بالفعل، لأن استوديو Remedy وعلى الرغم من نجاح لعبة Max Payne في جزئها الأول، إلا أن تحويلها إلى سلسلة ظهر وكأنه أمر لا داعي له. لقد بدأت وانتهت قصة Max على نحو منطقي، ضابط شرطة تعرض للأذى، ونجح في الانتقام “ويحك لما التشويق إذا؟!”

الحقيقة أن الجزء الأول ربما كان أبسط من إرادة الاستوديو المطور بسبب الإمكانيات المحدودة والشكوك حول نجاحه، ولتصحيح ذلك كان لابد من العمل على جزء جديد، يخطو خطوة أكبر نحو الطموح الذي يريد Sam Lake و Remedy الوصول إليه. لعبة قصة سينيمائية، ذات طابع أكشن وغموض تتطق إلى خلفيات ناضجة لم يسبق للعبة فيديو أن تناولتها بذلك الشكل. إكتئاب ما بعد الصدمات، وإدمان الكحوليات والمسكنات، والأرق وكل الأمراض النفسية المصاحبة لذلك. هذه الأشياء كانت عماد الأساس في كتابة قصة Max Payne، ولكن أيضًا صاحبها مشكلة كبيرة، كيف سيتم تقديم قصة بهذا الكم من الأفكار بمقاطع سنيمائية كاملة؟ تذكر عزيز القارئ أن وقتها كانت الألعاب لا تعتمد كثيرًا على المقاطع السنيمائية وأن هذه الأمر تطور مع الوقت لنصل لما نحن فيه. هل يمكنك تخيل كم تكلفت عملية تطوير Max Payne 3 التي احتوت على مقاطع سنيمائية؟ 105 مليون دولار!

Max Payne 3 Benchmarked - NotebookCheck.net Reviews

هذا الرقم لم يكن متوفرًا وقتها، لذلك كان الاتجاه إلى أسلوب سردي شبيه بالقصص المصورة، ولكن ماذا عن أسلوب اللعب؟ عليهم أن يقدموا أنظمة تصويب أكثر متعة، وبيئات تجعلك تحب التواجد فيها، بالطبع قصة جيدة لدفع كل ذلك للأمام. لقد كان التحدي أكبر لأن الجزء الأول على الرغم من جدية القصة لم يأخذ نفسه جديًا بالشكل الذي فعله الجزء الثاني. بالله عليك، هل رأيت وجه ماكس في الجزء الأول؟

Remedy are remaking Max Payne 1 & 2 | Rock Paper Shotgun

أعتقد أن Remedy فهموا تمامًا ما ميز الجزء الأول من حيث أسلوب اللعب وحسنوا منه على جميع الأصعدة. أما القصة، ففكرة “رحلة البطل” وجعلها أكثر واقعية وظلامية كانت هي الخطوة التالية، عن طريق إظهار شخصية Max بهيئة بشرية أكثر. ما يعنيه ذلك هو أن Max ليس البطل الذي قد تتوقعه، بل أنه يرتكب أخطائًا فادحة ويدفع ثمنها بشكل طبيعي نتيجةً لذلك.

القصة: أول محاولة في التاريخ لتقديم Film-Noire في الألعاب وطريقة سرد غير اعتيادية

تعتبر القصة في سلسلة Max Payne بشكل عام هي واحدة من أولى المحاولات في مجال الألعاب لتقديم قصص ناضجة، مظلمة ويمكننا تشبيهها بالأفلام التي يطلق عليها مسمى (Film Noire) والتي تعتمد أسلوب سردي غامض، وأحداث كئيبة ومظلمة، وتتبع تصاميم الكادرات (البيئات في حالة الألعاب) الاتجاه نفسه في تجنب الألوان الزاهية. قصة الجزء الثاني من Max Payne تتناول محاولات Max التغلب على ذكرياته الأليمة مع أحداث الجزء الأول (مقتل زوجته وابنته) ووقوعه في حب شخصية Mona Sax والتي تحمل أسرارًا غامضة. بحكم عمله مع الشرطة، يكون على Max التعاون مع Mona Sax للتحقيق في قضية ما، والتي تأخذهم إلى عالم الجريمة الخفي لمدينة نيويورك.

بشكل عام، القصة تشبه قصص أفلام الأكشن الممتعة، لا تتمتع بأي أفكار فلسفية ولكن تقديم قصص مثل هذه في الألعاب كان سبقًا في وقتها، كما أن أسلوب السرد كان مميزًا للغاية لأن الأحداث كلها تحظى بتعليق (Narration) من Max نفسه، ذكرني بأفلام Martin Scorsese (Goodfellas مثلًا). على الجانب الآخر، لم يكن محرك اللعبة جيد بما فيه الكفاية ليتم تقديم مقاطع سينمائية كاملة للعبة تقدم قصة بكل هذا الطموح، لذلك تم الاستعاضة عن ذلك العنصر بتقديم مربعات القصص المصورة، والتي كانت موجودة أيضًا في الجزء الأول ولكن هذه المرة كانت أفضل من حيث الشكل والألوان، وجعلتني شخصيًا أشعر بأنني أرى صورًا من داخل عقل ماكس.

Max Payne 2

جانب التعليق الصوتي لماكس أضاف عنصرًا نفسيًا للتجربة. نحن نرى تحولات نفسية لا نراها على الشاشة فقط من خلال تعليق صوتي. وهنا يأتي دور الأداءات الصوتية العظيمة التي جعلت من التجربة شيئًا يتم تصديقه كما لو كان حقيقيًا، والموسيقى أيضًا ساهمت في ذلك وجعلت منها تجربة تساعد على الاندماج معها. لقد كانت Max Payne 2 واحدة من أولى الألعاب التي قدمت “السينيمائية في الألعاب”

في الجزء الأول كانت موسيقى اللحظات السينيمائية موحدة وكان هذا القرار إذا تكرر من شأنه تقليل روعة القصة في الجزء الثاني. ولكن مع الميزانية الأكبر، تأتي مسؤوليات أكبر! لقد حظي Remedy و Sam Lake بدعم أكبر من روكستار، وبالتالي استطاعوا جلب ممثلين رائدين في مجال التمثيل الصوتي وإسناد الأدوار الأساسية لهم، كما أن -ولأول مرة- كان وجه Max وجه تم تصميمه خصيصًا للعبة وليس وجه المخرج Same Lake كما كان في الجزء الأول.

Max Payne 2

الموسيقى تضفي أجواءًا مختلفة على كل لحظات اللعبة، موسيقى رقيقة ذات طابع رومانسي أثناء لحظات ظهور شخصية (Mona) وأخرى توحي بالشك أثناء ظهور شخصية Vladimir، وموسيقى تشعرك بالوحدة والخوف قليلًا عندما يظهر Max! كل ذلك أعطى للقصة مذاق مختلف، وأن ترى مثل هذه البراعة في لعبة فيديو في 2003 كان أمرًا صعبًا يحتاج إلى استوديو ومخرج ببراعة Remedy و Sam Lake (الذي كان قد بدأ دراسة كتابة السيناريو بعد إطلاق الجزء الأول من السلسلة نفسها) لتنفيذه.

في الجزء الأول كانت القصة بسيطة، رحلة انتقام ضابط شرطة يضطر من خلالها للتورط في مستنقع الجريمة، ولكن مع الجزء الثاني وتقديم شخصيات معقدة أكثر أصبحت القصة أفضل بسنوات ضوئية. اسم اللعبة هو Max Payne 2: The Fall of Max أو (سقوط ماكس) وهي بالفعل رحلة تنزلق فيها أقدام ماكس إلى جانب مظلم، يولي فيه مشاعره تجاه Mona على واجبه، ويصبح شخصًا أقل حكمة وصدق، ويقوم باعمال شنيعة مثل التقل، والكذب، ومساعدة المجرمين.

Max Payne 2

أتذكر مشهد النهاية كما لو كنت قد شاهدته لأول مرة منذ ساعات قليلة، وقد كانت واحدة من النهايات التي تأثرت بها بشكل كبير جدًا، وتركت بصمة بداخلي جعلتني أرى الألعاب بشكل مختلف. الألعاب يمكنها أن تقدم قصص ناضجة للغاية. الأختيارات والعواقب كان الدرس الذي أرادك المطور Remedy الخروج به من اللعبة، وهم من برعوا طوال مشوارهم الفني في تقديم ألعابًا ذات طور قصة عميق ومُقدم باحترافية شديدة من خلال ألعاب رائدة في ذلك الجانب مثل Alan Wake و Control و Quantum Break.

Max Payne 2

أسلوب اللعب في Max Payne 2: كيف للعبة لا تقدم سوى المعارك أن تكون بكل هذه المتعة؟

الإجابة تنقسم على محوريين. الأول هو عمر اللعبة القصير نسبيًا مقارنة بألعاب الوقت الحالي. عمر لعبة Max Payne 2 يترواح بين 5-8 ساعات حسب مدى استكشافك للبيئة وقيامك بتجميع الأشياء القابلة للجمع مثل المقاطع الصوتية وحلقات المسلسل الافتراضي.يعتبر عمر اللعبة وكيفية استغلاله مثالًا يدرس لجميع مطوري الألعاب. عدد الساعات التي يقضيها اللاعب ليس دائمًا المقياس الأفضل لتحديد جودة اللعبة. لأنه من الصعب توفير جودة ممتازة لمدة كبيرة، كما أن تصميم المراحل في لعبة مثل Max Payne لا يتحمل أن يتم تمطيطه لما يفوق ال10 ساعات. إذا هو خيار الجودة فوق الكم الذي قام به استوديو Remedy والذي يعد مسؤولًا عن الجودة الخرافية التي خرجت بها اللعبة.

Max Payne 2

ثانيًا، تصميم المراحل الذي كان عبقريًا، وتوفير آليات لعب تجعل من التصويب أمتع عناصر اللعبة.
في الجزء الأول كان هناك اعتمادًا على كثرة الأعداء، وصعوبة إدارة المعارك لوضعك في مواقف يستحيل – أو يصعب جدًا- اجتيازها من المرة الأولى، ولكن في الجزء الثاني هناك اتجاه أكثر نحو تحسين تصرفات الأعداء وذكاءهم الاصطناعي، ومكافئة اللاعبين الذين يقومون بالتحرك بذكاء أثناء تقدمهم في البيئات، عن طريق شعورهم بأن طريقتهم تلك هي الأكثر فعالية. كما أنه كان هناك أيضًا تحسن في توزيع الأعداء عبر تصميم البيئات، ناهيك عن الاتجاه لبيئات أكبر وأكثر تعقيدًا مثل بنايات سكنية بأكثر من طابق، ومحلات تجارية تشبه المتاهات.

Max Payne 2

كل هذه التحسينات التصميمية، جاءت ومعها تحسينات في أسلوب اللعب مثل توسيع ترسانة الأسلحة، وتضمين إمكانية التصويب وأنت على الأرض بعد انتهاء الBullet Time، والذي تم تحسينه هو الآخر ليتضمن مكافأة اللاعب الذي ينجح في تصفية اكبر عدد من الأعداء باستخدام Bullet Time واحد، عن طريق تمديد وقت الحركة البطيئة (Slow Motion) للأعداء، بينام تبقى حركتك أنت بالسرعة العادية والتي تعطيك بطبيعة الحال أفضلية أكبر عليهم.

Max Payne 2

امتلكت Max Payne 2 أيضًا لأول مرة محرك فيزيائي متطور لمحاكاة تأثير الطلقات على المحيط، وعلى الأعداء. أصبح الأعداء يرتمون إلى الوراء تحت تأثير الطلق الناري عوضًا عن سقوطهم أرضًا وكأنهم مصابون بالدوار! كما أن محرك الفزياء هذا أتاح الفرصة للمطورين لتضمين بعض حواجز الاحتماء (Cover) المؤقتة والتي تتلف مع كثرة إطلاق النار عليها. هذه الأشياء زادت من ديناميكية اللعبة والبيئات، وجعلت من التصويب أمرًا ممتعًا لما فيه من تأثير جلي على البيئة المحيطة.

في النهاية، ربما تكون إعادة تصور السلسلة وإطلاقها في حلة جديدة مناسبة للأجيال الجديدة هي بادرة أمل لنية روكستار العودة إلى إنتاج أجزاء مستقبلية بعد الجزء الثالث الذي عانى من تخبط في عملية التطوير والهوية. حتى أشد معجبين السلسلة ومتبعيها لم يكونوا راضين بالشكل المطلوب عن ذلك الإصدار. الأجمل هو أن Remedy المبدعون سيكونون في صدارة مشهد تطوير اللعبة، وبالتالي يمكننا أن نأمل أن يأتي لنا جزء جديد يضاهي في روعته الأجزاء القديمة إذا ما نجحت عملية إعادة التصور.

Sam Lake Twitterissä: "Hugely proud of what we achieved with #MaxPayne 15 years ago at @remedygames, the game, the story, the character. https://t.co/N3Usl3zEzx" / Twitter

لقد كانت GTA 3 صاحبة السبق في تقديم العالم المفتوح والحرية في بيئة ثلاثية الألعاب، ولكن السبق لتقديم القصص السنيمائية، والاقتراب أكثر بصناعة الألعاب للأفلام لسلسلة Max Payne، وحتى وإن كانت هذه القصة تم تناولها بأسلوب القصص المصورة، وعودتها في المستقبل هو مكسب يتمنى أن يجني ثمارة الجميع، خصوصًا إذا كان وراء هذه العودة المرتقبة Sam Lake الذي لا بد وأن نتحدث عنه لاحقًا في مقال منفصل، ولكن في مقال اليوم يكفيني أن أسلط الضوء على مدى الجودة التي تم تقديمها في Max Payne 2 والتي جعلتها واحدة من ألعابي المفضة على مدار سنوات خبرتي في مجال الألعاب.

Mostafa Argoun

رئيس التحرير ومدير المحتوى بالموقع،أحب ألعاب الفيديو منذ زمن بعيد، وأول لعبة قمت بتجربتها كانت لعبة فيلم هرقل (Hercules) علي الحاسب الشخصي. أحب ألعاب الRPG وخصوصًأ التي تهتم بالقصة وتفرعاتها، ولا مانع من ألعاب اللعب الجماعي التي تقدم شيئًا جديدًا، وتحترم وقت اللاعبين. أعمل في صحافة الألعاب منذ عام 2012 وأحب الكتابة كهواية جانبية.

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى