مقالات

لماذا يلاحق الجدل The Last of Us أينما وُجدت؟- كبسولة الجيمينج

صدر في مطلع الشهر الجاري إصدار الريميك من The Last of Us part 1 على منصة PS5 وحظينا بفرصة لتجربته مبكرًا ومراجعته ومن ثم تحليله تقنيًا، ومن خلال جولة بسيطة في صفحات الإنترنت، ومراجعات اللعبة ستجد كم هائل -وربما غير مسبوق- من الاستقطاب حول اللعبة ومدى ما تقدمه من جودة، ليس ذلك وحسب بل ما إذا كانت تلك الجودة تبرر السعر الكامل للعبة جيل جديد 70$ على الرغم من أن اللعبة قد حصلت بالفعل على إصدار محسن الرسوم على الجيل السابق، بل ويزعم البعض انه أكثر كمالًا نظرًا لأن النسخة الأخيرة لا تحتوي حتى على طور Factions (الأونلاين).

في هذا المقال، لن أناقش مدى استحقاقية اللعبة لسعرها لأن هذا الشيء -كما أوضحت في المراجعة- من متغيرات الظروف الخاصة لكل لاعب، ولكن بوجه عام أنا هنا لأناقش معك عزيزي القارئ لماذا وكيف بدأت الجماهير في انتقاد ألعاب نوتي دوج، وتحديدًا لعبة The Last of us بعد أن كانوا يحتفون بها كثيرًا؟ لماذا بات الجدل هو أكثر شيء تجده حول اللعبة؟

أولًا: لنواجه الحقيقة الآن قبل أي شيء..لقد أصبح مجتمع اللاعبين سميًا بعض الشيء

دعونا لا نتجاهل الحقائق، هناك الكثير من الألعاب التي تقع ضحية كراهية غير مُبررة لمجتمع اللاعبين، فالعقل الجمعي متهور كما تعرف يا صديقي، وطبيعة المُستهلكين في كل الصناعات أن يصدقوا الأشياء بمجرد أن يرددها عدد كبير من النقاد، على الرغم من كون الألعاب أكبر صناعة تعتمد على الأراء والتفضيلات الشخصية. هناك اعتقاد سائد بأن اللعبة التي تستحق مالك هي اللعبة التي سيتفق على حبها الجميع، وهو مفهوم مغلوط بالطبع.

حرب المنصات (Console wars) أصبح أسخف شيء سمعت به في السنوات الأخيرة حيث يحاول بعض المجموعات من اللاعبين أن يرسموا صورة “صراع” ما دائر بين سوني ومايكروسوفت، ويحاول كل طرف أن “ينتصر لمنصته” بشكل سخيف لا يضر إلا بصناعة الألعاب وبالتالي بهم هم شخصيًا. شخصيًا أعتقد بأن المنافسة تفيد الجميع لأن الكل سيسعى لأن يقوم بما هو أفضل، ونحن الفائزون في هذه المعركة إن وجدت!

لقد وصل الاستقطاب في مجتمع اللاعبين بأن تعرضت لورا بايلي، مؤدية صوت آبي في لعبة The last of us 2 لتهديدات بالقتل بسبب ما حدث في أحداث اللعبة، كما أن الأمر تكرر مع بعض مطوري God of war Ragnarök عندما تم تأجيلها للمرة الأخيرة في الصيف الماضي! وهو الأمر الذي يتنافى تمامًا مع مفهوم الألعاب كصناعة ترفيهية.

أشياء كهذه تسيء لمجتمع اللاعبين بشكل لا يتصوره أحد، فهي تضع ضغطًا هائلًا على المطورين بحيث تجعلهم غير قادرين على تحمله، ومن ثم نخاطر بدفع المواهب التي تهتم بالفعل لسلامتها النفسية للإعتزال أو الخروج من المجال. كذلك إثارة الكثير من الحديث حول الأمور الفرعية، وتجنب الحديث عن الأشياء المهمة، كأن يتم الاحتفاء بلعبة سيئة فقط لأنها “تنتمي لشركتي التي لا أستطيع انتقادها” وهو ما يضر بالجودة والمقاييس التي نضعها للألعاب التي نريدها.

في يناير الماضي كانت صفحة Reddit الخاصة بباتلفيلد 2042 معرضة للإغلاق التام نتيجة “للتحريض” على المطورين بشكل شبه شخصي، وخروج الانتقاد من سياق كونه انتقادًا للعبة ما أو محتوى.

الحل الجذري في تجنب هذه السلوكيات السيئة يكمن في إدراك المستخدمين (نحن) أن قوتهم الشرائية هي الكلمة الأولى والأخيرة في صناعة الألعاب، وبهذه الطريقة يكون إعلاننا عدم الرضى عن منتج ما، بعدم شراؤه بحيث تضطر الشركات لتقييم أداءها وتحسينه بما يرضي اللاعبين، وتقبل بأن الأراء تختلف بشكل صحي دون أن يكون ذلك الإنسان المختلف معك لديه مصلحة في الاختلاف.

هل تدافع عن سوني ونوتي دوج؟!؟!

يا سمح الله يا باشا! أنا لا أدافع عن أي الأطراف دون الآخر ولكني أحاول إيجاد أرض صلبة نتفق عليها، والبدء يكون عادة عن طريق الاعتراف بالحقائق، ثم البدء في استكشاف الأراء. جزء كبير من المشكلة، بل الجزء الأكبر في اعتقاد البعض يقع على عاتق نوتي دوج ومن خلفها شركة سوني بلايستيشن باعتبارها ناشر للألعاب.

قرار التسعير بالطبع ليس من اختصاص المطور الذي يجلس لساعات محاولًا الوصول للشكل الأمثل لشخصية جول وإيلي، أو إتقان آلية لعب معينة ليستمتع بها اللاعبون. هؤلاء يجب أن نحتفي بمجهوداتهم دائمًا وأبدًا، لكن قرارات مثل التسعير المثير للجدل تقع على عاتق -في الأغلب- إدارة سوني للموقف، ومن بعدها إدارة الاستوديو متمثلة في رئيسه نيل دركمان والذي تعامل مع بعض المواقف بشكل غير لائق في الماضي سنتطرق لها خلال الفقرات القادمة، ولكن أولًا دعني أشرح لك سبب أزمة الثقة بين الاستوديو وعشاقه.

كيف تعامل نيل دركمان مع جدل The Last of us 2 وما بعدها؟

حمل اللاعبون استوديو نوتي دوج على الأعناق عندما وصل إلى قمة مجده في 2013 مع إصدار The Last of us ومن ثم في 2016 مع Uncharted 4. في تلك الفترة أي شيء كان ليصرح به الاستوديو كان “سيبتلعه” اللاعبون. بدأت الأزمة مع الدعاية التسويقية التي روجت لعنوان Uncharted Lost Legacy بشكل غير مباشر صاببة اهتمامها على كونها أول لعبة من الاستوديو تكون شخصيتاها الأساسية من الإناث، وهو ما أخذ اللعبة في اتجاه آخر جعل مجتمع النسويات وحتى المثليين مهتمًا بها أكثر من مجتمع اللاعبين. دعني أقول لك بأنه ليس لدينا دليل على رغبة الاستوديو في ذلك، أو كونه شيئًا حدث بشكل عفوي ولم يكن أحدًا ليتكلم حوله إذا كانت الأمور اكتملت بالشكل المثالي للاستوديو، ولكن ما حدث بعده جعل متابعي أخبار الاستوديو يتشككون في أصغر التفاصيل ومنها الحملة التسويقية التابعة للعبة المذكورة اعلاه.

ماذا حدث بعد ذلك؟ تسريبات The Last of us 2 خرجت للنور قبل إصدار اللعبة بشهر واحد في يونيو 2020، وكانت المفاجأة للاعبين بقرار قتل جول في دقائق اللعبة الأولى، وهو القرار الذي أثار حفيظة البعض، وغضب المعظم ممن انتظروا الجزء الثاني الاسطوري للعبة.تعامل الاستوديو مع هذا التسريب الكبير لم يكن الأفضل في الحقيقة، وكذلك تعامل المتاعبين لاكون صريحًا معك.

بالطبع هاجم الاستوديو المسربين، وصرح بأن معظم هذه التسريبات غير صحيح، وحتى الأجزاء الصحيحة منها فهي مجتزأةً من سياقها لتبدو غير منطقية، وحاول احتواء الأزمة وطمأنه اللاعبين بأن القصة “واقعية وستقتنعون بها عندما تلعبونها” وجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن…ثبت مع صدور اللعبة صحة معظم التسريبات، وجاء غضب اللاعبين العارم بسبب قرارات “سيئة” حسب وصفهم وقتها خصوصًا على جانب كتابة القصة.

ظن الكثيرون -وأنا منهم- أن قتل أهم شخصية في اللعبة في الساعة الأولى، ثم جعلك تلعب بالشخصية التي قتلته قرار سيء ومنفر من اللعبة وكيفية سردها للقصة، وأيضًا كيف أن نهاية شخصية إيلي كانت قاسية إلى أبعد حد، وهي التي كانت ثاني أكثر شخصية محبوبة بعد جول في القصة. لقد رأى اللاعبون أن إيلي تم التضحية بها مقابل إبراز معنى القصة الأهم والتي ركزت عليه طوال أحداثها، وهو فكرة العواقب الوخيمة لكل أفعال الإنسان. كل نفس قتلها جول دون تفكير كانت إنسانًا لديه عائلة ينتظرون عودته سالمًا، لذلك لا داعي لأن تتفاجئ كثيرًا إذا قتل جول نفسه بهذه الطريقة البشعة في دقائق معدودة.

على كلٍ، كل هذه وجهات نظر، لا تعنينا الآن. الآن علينا أن نتوقف ونسأل سؤالًا مهمًا، هل تكمن المشكلة حقًا في مآل القصة؟ الإجابة هي لا بالطبع، ولكن المشكلة كانت في كيفية تعامل الاستوديو مع وجهات النظر، خصوصًا وأن شريحة عريضة من اللاعبين كرهت القصة. خرج نيل دركمان في نقطة ما من هذا الجدل المشتعل، وسكب النار على البنزين بقوله: “تبًا للكارهين -F**k the haters” وهو ما جعل اللاعبين يثورون أكثر عليه بسبب تجاهله لأراءهم. ربما احتاج مجتمع اللاعبين معاملة أكثر نضجًا لهذه وتقدير على ترقبهم للعبة وعشقهم الشديد لها. هذه التصريحات المثيرة للجدل استمرت على لسان كل قادة الاستوديو والعمل وعلى رأسهم المؤديين الصوتين للشخصيات، بنبرة استعلاء على عشاق السلسلة وعدم اعتراف بأحقيتهم في الاختلاف على مسار القصة.

تسويق ألعاب نوتي دوج لم يكن دائمًا الأفضل:

كانت هذه اللحظات التي شكلت بداية أزمة الثقة بين اللاعبين والمتابعين بشكل فعلي، ولكن على صعيد آخر، الدعايا الخاصة بألعاب الاستوديو مؤخرًا جعلت اللاعبين يقتنعون بأن نوتي دوج لربما يقصدون “تضليل الرأي العام” أو محاولة توجيهه على الأقل ناحية أراء بعينها.

في E3 2018 فاجأتنا نوتي دوج بأول عرض للعبة أخيرًا، وقد حاز على إعجاب كل من شاهده من محبي اللعبة أخيرًا، لكنته انتهى بقبلة مثلية بين شخصية إيلي وشخصية أخرى، وهو ما جعل اللاعبون يظنون بأنه دفع جديد لفكرة لا ناقة لها ولا جمل في سياق ليس مناسبًا فقط لاستغلال الطاقة الشرائية لشريحة ما من المجتمع الأمريكي. هكذا كان الطريق السهل لقلوب أكبر عدد من اللاعبين، ومن المدافعين عن الحريات في رأي من قرر وضع هذه اللقطة في العرض السينيمائي، ولكنه نسي بأن هكذا سيتم النظر للعبة وتقيمها بكل المقاييس الغير مناسبة، وترك المقاييس الحقيقية التي تهم اللاعبين الحقيقين جانبًا. هكذا يتم توظيف اللعبة كمنتج تدفع به “الحريات” يد المجتمعات المتخلفة بعيدًا، وهي معركة بالطبع لا تحتاجها أي لعبة فيديو، وخصوصًا إذا كانت لعبة محبوبة.

مع الريميك، تم دفع سردية أن هذا العنوان تم العمل عليه من جديد (From the ground up) لمنصة البلايستيشن 5، وبينما تجربتي للعبة جعلتني أعتقد بأن الفرق كبير كفاية بين الريماستر الصادر على PS4 والريميك الصادر على PS5، أعتقد أن “اللاعب دايمًا على حق” في أن يعترض على ما لا يعتقد بأنه يستحق أمواله، ففي النهاية كل شخص أدرى بما يستحق الإنفاق عليه. إذا قرأت مختلف المراجعات على الإنترنت ستجد أن الجدل مجددًا يحوم حول The Last of us part 1 هذه المرة فيما إذا كان الريميك هو ريميك من الأساس وليس إعادة استغلال لأصول الجزء الثاني، أو ما إذا كان أعيد العمل عليه من البداية؟

مع The Last of us Part 1الجدل يعود من جديد بسبب التسعير لكن هل هذا السبب الوحيد؟

النقاش الدائر حول ما إذا كانت اللعبة تستحق سعر لعبة جيل جديد كاملة مٌثار لأكثر من سبب.أولًا، وجود ألعاب تم العمل عليها من البداية (Remake) لألعاب قديمة بأسعار أقل، كريميك لعبة مافيا الأولى الذي صدر بسعر 40$ فقط، وثانيًا لأن اللعبة تأتي بدون أي تحسينات جوهرية على القصة وأسلوب اللعب، وهو ما يميز الريميك عن الريماستر بشكل أساسي عن الريماستر.

كذلك، لعبة The last of us remastered متوفرة عبر اشتراك البلس الجديد بشكل مجاني، فإذا كنت تريد المرور بالتجربة لأول مرة، على الرغم من كون الريميك هو الطريقة المُثلى، أليس توفير الأموال خيارًا أفضل لمن يريد شراء ألعاب جديدة هذه السنة؟

ثالثًا والأهم، تأتي اللعبة منقوصة (طور الأونلاين) الذي سيتحول إلى لعبة منفصلة في المستقبل، أي أن الريماستر حمل في طياته قيمة أكبر بسعر أقل في رأي البعض.كل هذا كان حول التسعير، لكن دعنا لا ننسى أن هذا التفكير النقدي الذي يضع كل أفعال الاستوديو تحت المجهر بشكل قد يكون زائد في بعض الأحيان يعود إلى سياسات سوني مؤخرًا والتي يجدها البعض متجهة أكثر فأكثر نحو كونها “ضد المستخدم” عكس شعارها الأساسي” من أجل اللاعبين” في الفترة الأخيرة بسبب عدة أحداث، أخرها رفع سعر جهاز بلايستيشن 5 في الأسواق، ومن قبله تسعير الألعاب الحصرية الصادرة على الجيلين مثل Horizon Forbidden west والتي كان من المقرر جعلها تخضع لرسوم إضافية (10$) دون الحاجة التقنية لهذه لإقتناء نسخة البلايستيشن 5 بعد شراء نسخة بلايستيشن 4.

حالة التخوف والترقب التي تسود مجتمع اللاعبين لا يلام عليها سوى سوني ومن بعدها استوديو نوتي دوج الذي لا يحاول التقرب من اللاعبين بأي شكل من الأشكال، ويرى بأن السير في طريقه من شيطنة الكارهين هو المسار الصحيح، بينما في الواقع هي مشكلة مُركبة جميع أطرافها مذنبون ولكن الحل بأيد الاستوديو بشكل أساسي.

الهدف من هذه المقالة بشكل أساسي هو وضع “النقط على الحروف” بشكل موضوعي وعلى مسافة متساوية من الجميع، بدون مجاملات سعيًا منا أن نضع صناعة الألعاب في مكان أفضل في المستقبل خصوصًا وأنها صناعة ترفيهية لا تستدعي أن يصل الأمر إلى اتهام اللاعبين لبعضهم بالمجاملة والرياء وكل ذلك لأجل لعبة!!

عندما أنظر لنوتي دوج ووضعها الحالي وسط الجماهير، أتذكر جملة الفنان عمرو دياب “هو إحنا مالنا وإيه جرالنا وليه كده” مع أني لا أستمع كثيرًا له، ولكني لا أجد جملًا أكثر تعبيرًا عن حالة التشتت التي دخل فيها الاستوديو منذ الجزء الثاني من The Last of us، وهي جملة مليئة بالاسئلة التي على الأرجح تم طرحها دون انتظار الإجابة عليها، ودعني أضيف تعجبي الشديد من تقلب الأحوال بين 2013 مع إصدار الجزء الأول وكيف كان الاستوديو ينظر إليه بأنه الاستوديو الأفضل في صناعة الألعاب، وبداية التحول مؤخرًا حيث اكتفى الناس من حمله على الأكتاف، وبدأوا في توجيه اسئلة منطقية لصناع القرار فيه، وعلى رأسهم نيل دركمان. نوتي دوج يا عزيزي القارئ، ليس في وضع يحسد عليه.

Mostafa Argoun

رئيس التحرير ومدير المحتوى بالموقع،أحب ألعاب الفيديو منذ زمن بعيد، وأول لعبة قمت بتجربتها كانت لعبة فيلم هرقل (Hercules) علي الحاسب الشخصي. أحب ألعاب الRPG وخصوصًأ التي تهتم بالقصة وتفرعاتها، ولا مانع من ألعاب اللعب الجماعي التي تقدم شيئًا جديدًا، وتحترم وقت اللاعبين. أعمل في صحافة الألعاب منذ عام 2012 وأحب الكتابة كهواية جانبية.
زر الذهاب إلى الأعلى