مقالات

كيف تربعت Sega على عرش صناعة الألعاب في أحد الأيام ؟

في ثمانينيات القرن الماضي بدأت صناعة ألعاب الفيديو في الانتشار شيئًا فشيئًا بين اللاعبين، والتي كانت حينها تحت سيطرة شركة Nintendo اليابانية، التي أنقذت صناعة ألعاب الفيديو في يوم من الايام، وحفرت اسمها فيها بأحرف من ذهب، لكن في تلك الأثناء لم تكن شركة Nintendo هي الوحيدة بل ظهرت شركة أخرى يابانية تدعى Sega التي نافست الأولى -Nintendo- بقوة من أجل فرض سيطرتها على صناعة ألعاب الفيديو.

من أجل منافسة Nintendo، قدمت شركة Sega العديد من الأجهزة والألعاب المميزة مثل جهاز Sega Genesis، وألعاب مثل Castlevania و Mega Man وألعاب شخصيتها الأشهر Sonic، كما وقدمت اللعبة الشهيرة Crazy Taxi التي قضينا فيها أوقاتًا ممتعة. إذا بحثت الآن عن Sega بين شركات الألعاب فستجدها قد اختفت تمامًا ولربما سقطت في القاع ولم يعد لها وجود، وكل ما أصبحت تقدمه الآن هو نشر وتطوير بعض الألعاب مع التوقف عن تقديم جهاز منزلي خاص بها في ظل وجود عمالقة مثل Xbox و PlayStation، لذلك فاليوم سنتحدث باستفاضة عن تاريخ شركة Sega وسبب اتخاذها دور المتفرج، وهل تعود يومًا ما للمنافسة بقوة في صناعة ألعاب الفيديو ؟. هذا ما سنتعرف عليه سويًا في هذا المقال.

البداية الحقيقة لشركة Sega، ومن أين جاء هذا الإسم ؟

قد يظن البعض أن شركة Sega هي يابانية الأصل وذلك نظرًا لأن مقر الشركة الرئيسي في عاصمة اليابان طوكيو، لكن في الحقيقة فإن بداية الشركة كانت في الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق رجال أعمال أمريكيين، لذلك دعونا نسرد قصة Sega منذ البداية. في أربعينيات القرن الماضي وبالتحديد في 1 سبتمبر من العام 1946 تأسست شركة Service Games -شركة Sega حاليًا- في ولاية هاواي الأمريكية، والتي كانت مختصة في تصنيع ماكينات وآلات القمار (Slot machine) التي تعمل باستخدام النقود المعدنية وبيعها إلى القواعد العسكرية الأمريكية وذلك لتسلية الجنود في تلك القواعد.

لكن لم تستمر شركة Service Games في بيع Slot Machines للقواعد العسكرية الأمريكية، وذلك بسبب أن الكونجرس الأمريكي منع تصدير تلك الماكينات إلى القواعد العسكرية داخل الأراضي الأمريكية، لذلك فقد قررت الشركة ترك الولايات المتحدة بالكامل والانتقال إلى اليابان ومن هنا بدأت أول خطوة لتحول الشركة إلى شركة Sega المعروفة حاليًا.

انتقال شركة Service Games من الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليابان كان هو أول خطوة في طريق تغيير نهج الشركة بالكامل والتوجه إلى أولى بوابات عالم ألعاب الفيديو، ففي ذات الوقت وبعد إنتقال شركة Service Games إلى اليابان كانت هناك شركة أخرى قد انتقلت هي الأخرى إلى اليابان والتي كانت تسمى Rosen Enterprises وكان يقودها David Rosen رجل الأعمال والضابط السابق في القوات الجوية الأمريكية، كانت الشركة مختصة في بيع الأعمال الفنية اليابانية وتقديم ماكينات الصور التي تعمل بالنقود المعدنية، لكن بعد فترة تحولت الشركة إلى ألعاب الفيديو وبالتحديد ألعاب الأركيد -Arcade- الشهيرة وهي نفس الألعاب التي كانت تقدمها Sega.

سؤال قد يتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ “ما علاقة شركة Rosen Enterprises بسيجا أو لماذا تطرقت للحديث عن Rosen Enterprises من الأساس؟”. حسنًا، بعدما انتقلت الشركة الخاصة برجل الأعمال David Rosen إلى أجهزة ألعاب الأركيد، قرر Rosen في عام 1964 التعاون مع شركة Service Games بسبب أنها المنافس الوحيد والأقوى له في نفس المجال بل وحتى أن الشركتين اصبحتا شركة واحدة وأصبح Rosen رئيس الشركة التنفيذي (CEO) وتم تسميتها باسم Sega وهو اختصار للاسم السابق، حيث تم أخذ اول حرفين من كلمة Service وأول حرفين من كلمة Games، ومن ثم تحولت إلى الشركة المعروفة حاليًا واتجهت للتركيز على أجهزة ألعاب الأركيد.

David Rosen CEO Of Sega Amarica

بعد تحول Service Games إلى شركة Sega بدأت في التركيز أكثر على صناعة ألعاب الأركيد، وأول لعبة ضخمة قدمتها الشركة كانت لعبة Periscope التي وبالرغم من أنها كانت باهظة الثمن إلا أن اللاعبين أحبوها بشدة. كانت تلك اللعبة هي لعبة تصويب يقوم فيها اللاعبون بالتحكم بغواصة والتصويب على السفن الحربية؛ واستمرت شركة SEGA بعدها في تقديم ألعاب أركيد مميزة مثل Turbo و Zaxxon والمزيد من ألعاب الأركيد الممتعة.

Sega من ألعاب الأركيد إلى أجهزة الكونسول:

في عام 1983 حدثت كارثة بصناعة ألعاب الفيديو أدت إلى انهيار سوق ألعاب الفيديو بالكامل، وذلك بسبب أن الجميع أصبح يقوم بصناعة ألعاب الفيديو لكنها كانت دون المستوى وهو ما تسبب في تشبع مفرط في الصناعة. سبق وتحدثنا عن سقوط سوق صناعة ألعاب الفيديو بالتفصيل في مقال تاريخ الشركة اليابانية الأخرى Nintendo.

بعد سقوط صناعة الألعاب كانت تفكر Sega في طريقة لإخراج نفسها من هذه الأزمة، وبالفعل قررت الشركة التوجه إلى صناعة أجهزة الألعاب المنزلية Consoles وأطلقت أول جهاز ألعاب SG-1000 في 15 يوليو من عام 1983 الذي لم يحقق النجاح المطلوب منه، ومن الناحية الأخرى أطلقت Nintendo هي الأخرى جهازها NES في نفس يوم إطلاق الجهاز الخاص بشركة Sega، لكن للأسف كانت السيطرة الكاملة لـ Nintendo ولم تستطع Sega التفوق عليها، واكتفت Sega بالحصول على فتات الخبز أو ما تبقى من سيطرة Nintendo.

لم تستسلم Sega لسيطرة Nintendo وقررت إصدار

جهاز ألعاب أخر في عام 1986 والذي حمل أسم Sega Master System. بالرغم من أن هذا الجهاز كان مثل السابق ولم تتمكن Sega من مواكبة سيطرة Nintendo على صناعة ألعاب الفيديو من خلاله، إلا أنها قدمت العديد من العناوين المميزة للجهاز مثل Fantasy Zone و After Burner بل وحتى أنها عملت على تقديم لعبة تتميز بها على غرار Mario والتي صدرت تحت عنوان Alex Kidd In The Miracle World، بالرغم من ذلك فإن التفوق كان من نصيب Nintendo في النهاية.

بداية النجاح مع جهاز Sega Genesis!

لقد حاولت Sega عدة مرات أن تواكب سيطرة Nintendo على صناعة ألعاب الفيديو لكنها وبالرغم من تقديم عديد العناوين المميزة لم تنجح في مواكبة نجاح Nintendo، لكن وأخيرًا بعد محاولات عديدة فلقد استطاعت Sega أن تتفوق على المنافس الأقوى. ففي أكتوبر من عام 1988 أصدرت الشركة جهاز Sega Mega Drive في اليابان؛ ما كان يميز الجهاز هو أنه كان يقدم رسوميات وصوت أفضل من جهاز المنافس، ولكن للأسف صدرت لعبة Super Mario Brothers 3 في نفس وقت صدور جهاز Mega Drive، ونتيجة لذلك فقد باع الجهاز في عامه الأول 400 ألف نسخة فقط.

Sega Mega Drive / Genesis

بعدها بعام واحد تقريبًا وبالتحديد في أغسطس من عام 1989 تم إطلاق جهاز Mega Drive في أمريكا تحت عنوان Sega Genesis وهو الاسم الذي يشتهر به الجهاز، أهم أهداف إصدار الجهاز في أمريكا كانت زيادة مبيعات الجهاز أكثر فأكثر، خاصةً وأنه كان قد حقق مبيعات تقدر بـ 400 ألف نسخة خلال عام واحد فقط وهو رقم قليل بالمناسبة، فما الذي فعلته Sega من أجل إنجاح جهاز الألعاب الخاص بها ؟

إعلان Genesis Does What Nintendon’t

بطبيعة الحال فإن ما تحتاج له الشركات من أجل إنجاح منتجاتهم هو تقديم حملة دعائية مميزة تجذب الناس نحو تلك المنتجات وهو بالفعل ما اعتمدت عليه شركة Sega مع Sega Genesis. أبرز إعلان في حملة Sega الدعائية للجهاز الأشهر في تاريخها كان تحت عنوان Genesis Does What Nintendon’t والذي تعاونت فيه Sega مع العديد من النجوم وصنعت ألعابًا خاصة بهم مثل لعبة Michael Jackson MoonWalker ولعبة كرة القدم الأمريكية Joe Montana، وبالفعل فقد أدت هذه الحملة الدعائية إلى نجاح جهاز Sega Genesis بشكل كبير.

ولإنجاح جهاز Sega Genesis أكثر فقد تم تقديم العديد من الألعاب المميزة وبالتحديد لعبة شخصية القنفذ الشهير Sonic، فلقد ظهر Sonic لأول مرة في لعبة Sonic The Hedgehog التي صدرت في 23 يونيو من عام 1991 والتي تعد هي منافس لعبة Mario الشهيرة، وقدمت حينها تجربة مميزة جعلتها أكثر لعبة مبيعًا فى تاريخ جهاز Sega Genesis بواقع 15 مليون نسخة مباعة حول العالم.

لم تكن لعبة Sonic the Hedgehog هي اللعبة الوحيدة المميزة التي تم تقديمها لجهاز Sega Genesis بل تم تقديم ألعاب عديدة، مثل لعبة علاء الدين (Disney’s Aladdin) التي قضينا فيها أوقاتًا ممتعة، والجزء الثاني من لعبة Sonic ولعبة القتال الشهيرة Mortal Kombat ولعبة Streets of rage والعديد من الألعاب المميزة الأخرى؛ كل هذا كان كفيلًا بنجاح جهاز Sega Genesis بشكل كبير، وحتى يومنا هذا فقد حقق الجهاز مبيعات تقدر بـ 30 مليون نسخة مباعة حول العالم.

وبالعودة للوراء قليلًا وبالتحديد في أكتوبر من عام 1990 قدمت Sega جهاز ألعاب محمول يحمل أسم Game Gear على غرار جهاز Game Boy المحمول الخاص بشركة Nintendo، لكن وعلى عكس Game Boy فإن Game Gear يقدم شاشة ملونة بدلاً من الشاشة أحادية اللون، وحتى أنه كان يقدم تجربة أفضل وألعابًا مميزة، وبالرغم من نجاح الجهاز إلا أن مشكلته الوحيدة كانت أنه يكلف اللاعبين الكثير لتشغيله حيث كان يحتاج إلى 6 بطاريات، وكان يجب على اللاعبين تغييرها بين وقت إلى آخر.

بداية السقوط نحو الهاوية!

Sega Saturn

بعد سنوات من النجاح بدأت شركة Sega في التخبط والسقوط نحو الهاوية بارتكابها أخطاء ساذجة تسببت في سقوطها والبداية كانت مع جهاز Sega Saturn الشهير. ففي عام 1994 أصدرت الشركة جهاز Saturn والذي كان جهازًا يصعب تطوير الألعاب عليه، حيث احتوى الجهاز على معالجين واثنين من البطاقات الرسومية مما جعل عملية تطوير الألعاب على الجهاز تحديًا كبيرًا بالنسبة للمطورين، وفي تلك الأثناء كان Tom kalinske -رئيس شركة Sega في الولايات المتحدة- يحاول صنع بديل لجهاز Saturn بالتعاون مع شركة Silicone Graphics التي كانت تستطيع تقديم أجهزة ألعاب أفضل بكثير من Saturn، لكن وبالرغم من ذلك فإن Sega اليابان رفضت هذه الفكرة، والمضحك في الأمر أن شركة Silicone Graphics طورت جهاز Nintendo 64 الذي كان من أنجح أجهزة الشركة، وهو ما يدل على سذاجة قرار Sega اليابان على عكس Sega أمريكا.

بالرغم من أن قرار Sega بعدم التعاون مع شركة Silicone Graphics كان ساذجًا وكان هو أحد أسباب بداية سقوطها إلا أنها لم تتعلم من هذا الخطأ كما قد تظن عزيزي القارئ. في نفس الفترة ظهرت Sony PlayStation التي كانت تحاول التعاون مع Nintendo من أجل صنع ألعابهم وأجهزتهم الخاصة إلا أن Nintendo رفضت واستكملت طريقها، وعلى الجانب الآخر حاولت Sony التعاون مع Sega، وبالفعل فقد رحب Tom kalinske بالفكرة حيث وجد في التعاون مع PlayStation فرصة ذهبية للعودة وجني المزيد من الأموال، لكن وكالمعتاد فإن Sega اليابان لم تكن موافقة على هذا الأمر ورفضته بشدة وانتهت الشراكة مع Sony PlayStation.

Virtua Cop

هذا القرار كان من أسوأ قرارات Sega، حيث قدمت Sony بعدها أول أجهزتها PlayStation 1، وإذا نظرنا إلى جهاز Sega Saturn و PlayStation 1 سنجد أن الفارق كبير جدًا، حيث وصلت مبيعات جهاز Sega Saturn إلى 9 مليون نسخة بينما PS1 باع أكثر من 100 مليون نسخة، وبالرغم من أن جهاز Saturn فشل فشلًا ذريعًا إلا أنه قدم بعضًا من الألعاب المميزة أمثال Panzer Dragoon و Virtua Fighter و Virtua Cop ولكن هذا لم يكن كافيًا لإنقاذ الجهاز.

محاولة أخيرة لإنقاذ الموقف مع Sega Dreamcast:

بعدما فشل جهاز Sega Saturn وتحقيقه مبيعات قليلة طوال فترة حياته فقد حاولت Sega محاولة أخيرة لإنقاذ نفسها من الكارثة التي وضعت نفسها فيها، حيث قامت شركة Sega بإطلاق جهازها الجديد Sega Dreamcast في الأسواق في 9 سبتمبر من عام 1999، وفرت Sega أكثر من 18 لعبة مع إطلاق الجهاز في الأسواق ومن أهمهم الجزء الثاني من لعبة بيت الرعب -House Of The Dead 2- ولعبة Sonic Adventure ولعبة القتال Soulcalibur؛ تسبب هذا الأمر في بيع الجهاز أكثر من 200 ألف نسخة خلال أول يوم فقط، في بادئ الأمر ظنت Sega اليابان أن الأمور تسير بشكل جيد، لكن جائت الضربة القاضية من مكان غير متوقع.

Sega Dreamcast

فبعدها بعام واحد وبالتحديد في مارس من عام 2000 أطلقت Sony الجيل الثاني من جهازها الشهير PlayStation 2 كان يستطيع الجهاز تشغيل أقراص DVD التي تستطيع تخزين أكثر من 15 جيجا وهو ما كان نقلة نوعية كبيرة وقتها، كانت هذه تعد ضربة قاضية لشركة Sega وجهازها Dreamcast، حيث كانت ترى أنها غير قادرة على منافسة جهاز PlayStation 2، وفي نهاية المطاف وبعد البداية القوية لجهاز Dreamcast انخفضت مبيعات الجهاز كثيرًا وحقق مبيعات تقدر بـ 10 مليون نسخة فقط، وما زاد الطين بلة أن المبيعات الضعيفة للجهاز كلفت شركة Sega خسارة أكثر من 400 مليون نسخة، ومن هنا أوقفت الشركة دعم جهاز Sega Dreamcast وتركت صناعة أجهزة الكونسول إلى الأبد بقرارات من الأغبي في التاريخ واستكملت طريقها في تطوير ألعاب الفيديو.

أخيرًا، هل من الممكن أن نشهد عودة Sega من جديد ؟

منذ فشل جهاز Sega Dreamcast في تحقيق ما كانت تطمح له الشركة وتسببه في خسارة كبيرة فقد اعترفت Sega بالهزيمة في حرب الأجهزة المنزلية وذلك بعد كفاح في منافسة العديد من المنافسين الأقوياء أمثال PlayStation و Nintendo، لذلك فمن وجهة نظري المتواضعة أن Sega لن تعود في وقت قريب لصناعة أجهزة الكونسول وربما لن تعود أبدًا، وستكتفي فقط بصناعة ألعاب الفيديو. وبحسب التقارير الصحفية فإن الشركة تعمل على إعادة إحياء للعبة Crazy Taxi الشهيرة وسلسلة Jet Set Radio ونتمنى أن يتم تقديمهم بشكل يليق بهم.

لربما من أهم أسباب سقوط شركة Sega خلال حربها في صناعة أجهزة الكونسول هو اتخاذها قرارات سيئة، لكن السبب الأهم عدم إعطاء الحرية لفرع Sega في الولايات المتحدة في اتخاذ القرارات وإجبارهم على فعل أشياء لم يكونوا واثقين يومًا من نجاحها، بل وحتى أن Sega اليابان لم تكن تستمع إلى Thomas Kalinske رئيس Sega في الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فمن المهم دائمًا أن تستمع الإدارة في الشركات إلى جميع الموظفين واعطائهم الفرصة، ولو كانت أعطت الشركة فرصة لـ Kalinske لما كان هذا هو حال الشركة، لكن هذا درس على الجميع أن يتعلم منه.

Baraa K. Elanany

محرر في موقع جيمز ميكس. ابلغ من العمر 18 عام، محب لألعاب العالم المفتوح خاصة ألعاب Rockstar Games ومحب للألعاب الخطية وألعاب استوديو FromSoftware المميزة.
زر الذهاب إلى الأعلى